كتاب السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

لحمه وعظمه، فما يصدّه (يصرفه) ذلك عن دينه. والله! ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» «1» .
وبعد أن يئست قريش من الإغراء والمداراة، وعرض عليه زعماؤها كل ألوان الإغراء: المال والرئاسة والملك «2» ، كانت قريش كل يوم تزداد كبرياء وتعنتا في تعذيب المسلمين، الذي لم يكن القتل أشدّها إيلاما، وكانوا لا يتزحزحون، بالحق- خلال كل ذلك- ينطقون، وتمسكا يزدادون إيمانا.
فمن ضرب وجه حتى ضاعت معالمه، وأبو بكر رضي الله عنه لا يسأل إلا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فور ما أفاق «3» ؛ وأتلفت صخور ثقيلة صدور المؤمنين، وتنطلق من أفواههم: أحد أحد «4» ، مدوية قوية، مؤمنة بالله، تغدق عليهم ندى الإيمان، وترشق الكافرين بحمم النيران؛ وسلخت شمس الرمال الحامية ظهور الكثير، وكان الإيمان حجابا رطّب الظهور «5» ؛ ومزقت السياط مشدودا بالحبال «6» ، رجلا مقيدة، وعند الله الجزاء؛ وأطلعت عين مؤمنة بضربة مشرك جلّله صغار العصيان للواحد الديان، فأجاب عثمان بن مظعون متفاخرا معتزا بالله: (والله إن عيني الصحيحة، لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله) «7» .
__________
(1) أخرجه البخاري: أرقام (3416، 3639، 6544) . أعلاه، 228- 229.
(2) سيرة ابن هشام (1/ 313) .
(3) انظر: سيرة ابن هشام (1/ 309- 310) . حياة الصحابة (1/ 280) .
(4) انظر: سيرة ابن هشام (1/ 329- 340) . حياة الصحابة (1/ 288- 290) .
(5) أسد الغابة (2/ 115) . الإصابة (1/ 416) ، رقم (2210) . الوافي بالوفيات (13/ 287) .
(6) انظر: سيرة ابن هشام (1/ 317) . سير أعلام النبلاء (1/ 348، 409) . سيرة الذهبي، (217- 218) .
(7) سيرة ابن هشام (1/ 371) . أسد الغابة (3/ 599) . حياة الصحابة (1/ 280، 288، 290، 300) .

الصفحة 295