كتاب الفوائد لابن القيم

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شكور} فِي سُورَة لُقْمَان وَسورَة إِبْرَاهِيم وسبأ والشورى فَأخْبر عَن آيَاته المشهودة العيانية أَنَّهَا إِنَّمَا ينْتَفع بهَا أهل الصَّبْر وَالشُّكْر كَمَا أخبر عَن آيَاته الإيمانية القرآنية أَنَّهَا إِنَّمَا ينْتَفع بهَا أهل التَّقْوَى والخشية والإنابة وَمن كَانَ قَصده اتّباع رضوانه وَأَنَّهَا يتَذَكَّر بهَا من يخشاه سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ طه أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لمن يخْشَى وَقَالَ فِي لساعة {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ من يخشاها} وَأما من لَا يُؤمن بهَا وَلَا يرجوها وَلَا يخشاها فَلَا تَنْفَعهُ الْآيَات العيانية وَلَا القرآنية وَلِهَذَا لما ذكر سُبْحَانَهُ فِي سُورَة هود عقوبات الْأُمَم المكذبين للرسل وَمَا حل بهم فِي الدُّنْيَا من الخزي قَالَ بعد ذَلِك {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَاب الْآخِرَة} فَأخْبر أَن عقوباته للمكذبين عِبْرَة لمن خَافَ عَذَاب الْآخِرَة وَأما من لَا يُؤمن بهَا وَلَا يخَاف عَذَابهَا فَلَا يكون ذَلِك عِبْرَة وَآيَة فِي حَقه اذا سمع ذَلِك قَالَ لم يزل فِي الدَّهْر الْخَيْر وَالشَّر وَالنَّعِيم والبؤس والسعادة والشقاوة وَرُبمَا أحَال ذَلِك على أَسبَاب فلكية وقوى نفسانية وَإِنَّمَا كَانَ الصَّبْر وَالشُّكْر سَببا لانتفاع صَاحبهمَا بِالْآيَاتِ يَنْبَنِي على الصَّبْر وَالشُّكْر فنصفه صَبر وَنصفه شكر فعلى حسب صَبر العَبْد وشكره تكون قُوَّة إيمَانه وآيات الله إِنَّمَا ينْتَفع بهَا من آمن بِاللَّه وَلَا يتم لَهُ الْإِيمَان إِلَّا بِالصبرِ وَالشُّكْر فَإِن رَأس الشُّكْر التَّوْحِيد وَرَأس الصَّبْر ترك إِجَابَة دَاعِي الْهوى فَإِذا كَانَ مُشْركًا مُتبعا هَوَاهُ لم يكن صَابِرًا وَلَا شكُورًا فَلَا تكون الْآيَات نافعة لَهُ وَلَا مُؤثرَة فِيهِ إِيمَانًا

فصل وَأما الأَصْل الثَّانِي وَهُوَ اقْتِضَاء الْفُجُور وَالْكبر وَالْكذب للضلال فكثير
أَيْضا فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ}

الصفحة 131

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text