كتاب الفوائد لابن القيم

فصل وكما يقره سُبْحَانَهُ بَين الْهدى والتقى والضلال والغي فَكَذَلِك يقرن بَين
الْهدى وَالرَّحْمَة والضلال والشقاء فَمن الأول قَوْله {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وَقَالَ {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} وَقَالَ عَن الْمُؤمنِينَ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبنَا بعد ذ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وَقَالَ أهل الْكَهْف {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} وَقَالَ {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وَقَالَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لقوم يُؤمنُونَ وَقَالَ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {وَقَالَ} يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين ثمَّ أعَاد سُبْحَانَهُ ذكرهمَا فَقَالَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فبذلك فليفرحوا
وَقد تنوعت عِبَارَات السّلف فِي تَفْسِير الْفضل وَالرَّحْمَة وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا الْهدى وَالنعْمَة ففضله هداه وَرَحمته نعْمَته وَلذَلِك يقرن بَين الْهدى وَالنعْمَة كَقَوْلِه فِي سُورَة الْفَاتِحَة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَمن ذَلِك قَوْله لنَبيه يذكرهُ بنعمه عَلَيْهِ ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى فَجمع لَهُ بَين هدايته لَهُ وإنعامه عَلَيْهِ بإيوائه وإغنائه وَمن ذَلِك قَول نوح يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كنت على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْده وَقَول شُعَيْب أَرَأَيْتُمْ إِن كنت على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَنا وَقَالَ عَن الْخضر فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا علما وَقَالَ لرَسُوله إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فتحا مُبينًا لغفر لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ

الصفحة 133

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text