كتاب الفوائد لابن القيم

فَائِدَة قَول الله تَعَالَى
وَأَن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه مُتَضَمّن لكنز من الْكُنُوز وَهُوَ أَن يطْلب كل شَيْء لَا يطْلب إِلَّا مِمَّن عِنْده خزائنه ومفاتيح تِلْكَ الخزائن بيدَيْهِ وَأَن طلبه من غَيره طلب مِمَّن لَيْسَ عِنْده وَلَا يقدر عَلَيْهِ وَقَوله وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى مُتَضَمّن لكنز عَظِيم وَهُوَ أَن كل مُرَاد إِن لم يرد لأَجله ويتصل بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مضمحل مُنْقَطع فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ الْمُنْتَهى وَلَيْسَ الْمُنْتَهى إِلَّا إِلَى الَّذِي انْتَهَت إِلَيْهِ الْأُمُور كلهَا فانتهت إِلَى خلقه ومشيئته وحكمته وَعلمه فَهُوَ غَايَة كل مَطْلُوب وكل مَحْبُوب لَا يحب لأَجله فمحبته عناء وَعَذَاب وكل عمل لَا يُرَاد لأَجله فَهُوَ ضائع وباطل وكل قلب لَا يصل إِلَيْهِ فَهُوَ شقي مَحْجُوب عَن سعادته وفلاحه فَاجْتمع مَا يُرَاد مِنْهُ كُله فِي قَوْله وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَاجْتمعَ مَا يُرَاد لَهُ كُله فِي قَوْله وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى فَلَيْسَ وَرَاءه سُبْحَانَهُ غَايَة تطلب وَلَيْسَ دونه غَايَة إِلَيْهَا الْمُنْتَهى
وَتَحْت هَذَا سر عَظِيم من أسرار التَّوْحِيد وَهُوَ أَن الْقلب لَا يسْتَقرّ وَلَا يطمئن ويسكن إِلَّا بالوصول إِلَيْهِ وكل مَا سواهُ مِمَّا يحب وَيُرَاد فمراد لغيره وَلَيْسَ المُرَاد المحبوب لذاته إِلَّا وَاحِد إِلَيْهِ الْمُنْتَهى ويستحيل أَن يكون الْمُنْتَهى إِلَى اثْنَيْنِ كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون ابْتِدَاء الْمَخْلُوقَات من اثْنَيْنِ فَمن كَانَ انْتِهَاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إِلَى غَيره بَطل عَلَيْهِ ذَلِك وَزَالَ عَنهُ وفارقه أحْوج مَا كَانَ إِلَيْهِ وَمن كَانَ انْتِهَاء محبته ورغبته ورهبته وَطَلَبه هُوَ سُبْحَانَهُ ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أَبَد الآباد
العَبْد دَائِما متقلب بَين أَحْكَام الْأَوَامِر وَأَحْكَام النَّوَازِل فَهُوَ مُحْتَاج بل مُضْطَر إِلَى العون عِنْد الْأَوَامِر وَإِلَى اللطف عِنْد النَّوَازِل وعَلى قدر قِيَامه بالأوامر يحصل لَهُ من اللطف عِنْد النَّوَازِل فَإِن كمل الْقيام بالأوامر ظَاهرا وَبَاطنا ناله اللطف

الصفحة 202

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text