كتاب السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي
والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى «1» حتى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلا بالله» «2» .فأرسل الله إليه ملك الجبال، يستأذنه في أن يطبق الأخشبين «3» ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «4» .
ولمّا رآه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وما لقي، تحرّكت لهما المروءة، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له «عدّاس» فقالا له: خذ قطفا من العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرّجل، فقل له يأكل منه، ففعل «عداس» ، وأسلم بما سمعه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى من أخلاقه «5» .
وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى مكّة، وقومه أشدّ ما كانوا عليه من خلاف وعداء، وسخرية واستهزاء.
__________
(1) [العتبى: الرّضا. يقال: يعاتب من ترجى عنده العتبى، أي: يرجى عند الرّجوع عن الذّنب والإساءة] .
(2) [أخرج الطبرانيّ قصّة ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ودعائه، من حديث عبد الله بن جابر رضي الله عنه، كما في مجمع الزوائد (6/ 35) ] .
(3) [الأخشبان: الجبلان المطيفان بمكّة، وهما أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب: كلّ جبل خشن غليظ الحجارة (النهاية في غريب الحديث: 2/ 32) ] .
(4) [أخرجه البخاريّ في كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء ... برقم (3231) ] ، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم من أذى المنافقين والمشركين [برقم (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها] .
(5) سيرة ابن هشام: ج 1؛ ص 419- 422، وسيرة ابن كثير: ج 2، ص 149- 153، وزاد المعاد: ج 1، ص 302 (مجموعا ملخصا) .