كتاب نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر ت الرحيلي ط 2

ووجْه الجمع بينهما: أن هذه الأمراضَ لا تُعْدِي بطبعها (¬1)،
لكنّ الله سبحانه وتعالى جعلَ مخالَطَةَ المريضِ بها للصحيح سبباً لإعدائه مَرَضَه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه (¬2) كما في غيره من الأسباب. كذا جمع بينهما ابن الصلاح (¬3)، تَبَعاً لغيره (¬4).
والأَولى في الجمع أنْ يُقال: إنَّ نَفْيَه - صلى الله عليه وسلم - للعدوى باقٍ على عُمومه (¬5)،
¬_________
(¬1) تعليق على الجمع بين الحديثين: هذا الجمع ليس هو الذي يقتضيه المنهج؛ ولهذا نقول:

بل الصحيح هو أن المنفي في الحديث هو ما كان سائداً في الجاهلية مِن تخيُّلِ طبيعةِ انتقالِ العدوى بغير سببٍ صحيحٍ: مِن أسباب انتقال الأمراض المعدية التي يثبتها الشرع والعقل.
(¬2) قوله: "ثم قد يتخلف ذلك عن سببه": وهذا صحيح، وذلك لأسبابٍ أخرى أقوى، أو موانع، وليس إبطالاً لإثبات الأسباب الحاصلة شرعاً وواقعاً.
(¬3) في "مقدمته" ص 284.
(¬4) قد ذَكر الحافظ ابن حجر، رحمه الله، في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" أقوال الأئمة في تفسير هذا الحديث بالتفصيل في 10/ 159 - 163، ولم يُرجِّح بين أقوالهم المتعددة، سِوى أنه رَدّ فكرة الترجيح بينه وبين حديث: (وفِرّ مِن المجذوم كما تفرُّ مِن الأسد)، و (لا يوردنّ ممرِضٌ على مُصِحّ)، وقال: "طريق الترجيح لا يُصار إليه إلا مع تعذُّر الجمع، وهو ممكِنٌ"، 10/ 159. وأقواله الآتية في تفسير هذا الحديث لم تَخرج عن تلك الأقوال التي نقلها في الفتح.
(¬5) وقوله: "والأَولى ... لا يُعْدي شيءٌ شيئاً". يقال فيه: بل هذا الجمع لا يصح أن يُفسَّر به حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فضلاً أن يكون هو الأَولى.

والمعنى الظاهر في حديثٍ، لا يصح أن يُتْرَك إلا لحديثٍ آخر.

الصفحة 91