ولكن الذي يُناسِب القُرآن الأوَّلُ: نظَر، كما قال تعالى في سُورة القِتال: {مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [محمد: ٢٠].
وربما نَقول: يَنظُرون إليك تَدُور أعيُنُهم كالذي يُغْشَى عليه من المَوْت، ليس عائِدًا على النظَر، وإنما هو عائِد على حالهم، يَعنِي: كالإنسان المَغشِيِّ عليه من الموت؛ لا يَستَطيعون أن يَتكلَّموا؛ لأن أَرياقهم يَبِسَت، ودِماؤهم غارَت بسَبَب الخوف، فإذا جاء الخوف فإنها تَتَغَيَّر أبصارُهم وتَتغيَّر أحوالُهم أيضًا {كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} والذي يُغشَى عليه من الموت لا شَكَّ أنه يَصفَرُّ وجههُ، ولا يَستَطيع أن يَنطِق في الغالِب {كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}.
قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ} قال المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [مِن سَكَراته] أي: سَكَراته يُغشَى عليه {مِنَ الْمَوْتِ}: (من) هنا للسبَبية وهل تَأتي (مِن) للسَّبَبية؟
الجَوابُ: نعَم، تَأتِي في مَواضِعَ كثيرةٍ، والأصل فيها أنها للابتِداء، حتى زعَم بعضُ النَّحوِيِّين أنها في كل مَكان تَكون للابتِداءِ، حتى فيما إذا كانت سبَبيَّةً قال: لأنها ابتِداء السبَب. لكن الصحيحَ ما ذهَب إليه ابنُ مالِك رَحِمَهُ اللَّهُ -وغيرُه من النَّحويِّين أنها تَأتي لمَعانٍ كثيرةٍ- قال رَحِمَهُ اللَّهُ:
بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه ... بِمِنْ وقدْ تَأْتِي لِبَدْأ الْأَزْمِنَه
وَزِيدَ فِي نفْيٍ وشِبْهِهِ فَجُرّ ... نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ (¬١)
قال رَحِمَهُ اللَّهُ: [{فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ} وحِيزت الغَنائِمُ {سَلَقُوكُمْ} آذَوْكم أو ضَرَبوكم {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي: الغَنيمة يَطلُبونها {أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا}
---------------
(¬١) الألفية (ص: ٣٥).