كتاب تفسير العثيمين: الأحزاب

والثاني: (ها)، وهو مُتمَشٍّ على القاعِدة، وابنُ مالِك رَحِمَهُ اللَّهُ يَقول:
وَقَدِّمِ الْأَخَصَّ فِي اتِّصَالِ ... وَقَدِّمَنْ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ (¬١)
وضَميرُ المُخاطَب أَخصُّ من ضمير الغائِب؛ ولهذا قال تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا}.
والحِكْمة من ذلك: قال تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا}.
قوله تعالى: {لِكَيْ لَا يَكُونَ} اللَّام هنا للتَّعليل، و (كَيْ) حَرْف مَصدَر؛ لأنها بعد اللَّام مَصدَرية مَحضَة؛ أي: (لأن)، و (لا) نافِية.
وقوله تعالى: {حَرَجٌ}؛ أي: ضِيق ومَشقَّة.
وقوله تعالى: {فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} أَدعياؤُهم: أَبناؤُهم الذين تَبنَّوْهم، هؤلاءِ همُ الأَدْعياءُ، وهؤلاءِ الأدعياءُ ليسوا بأبناءٍ، كما قال اللَّه تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} [الأحزاب: ٤]، وتَأمَّلْ قوله تعالى: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ}، ولم يَقُلْ: (أَبنائِهم الذين تَبنَّوْهم)؛ لأنَّ هذه البُنوَّةَ مُنتَفية شَرْعًا وباطِلة شَرْعًا؛ ولهذا قال تعالى: {أَدْعِيَائِكُمْ}.
وبهذا نَعرِف أنَّ قول مَن قال في قوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ}: (إن قولَه: {أَصْلَابِكُمْ} احتِرازٌ مِن ابنِ التَّبنّي) يَتبيَّن لنا أنَّ هذا القولَ لا وَجهَ له؛ لأنَّ ابنَ التَبنِّي لم يُسمِّه اللَّه تعالى ابنًا أبَدًا، بل نفَى عنه البُنوَّة، فقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ}، وقال هنا: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ}، وإذا كان ابنُ التَّبنِّي لا يُسمَّى ابنًا شَرْعًا، فإنه لا حاجةَ إلى
---------------
(¬١) الألفية (ص: ١٣).

الصفحة 303