الشَّرْط الأخير يَكون شَرْطًا فيما قبلَه، فيَكون مُتأخِّرًا لفظًا مُتقدِّمًا مَعنًى ورُتبة، مثَلًا إذا قلت: أَخْبِرني إذا ضرَبَك زيدٌ إن ظَلَمَكَ. صار الظُّلْم سابِقًا على الضَّرْب، وإن كان مُتأخِّرًا عنه في الذِّكْر، ويَتَّضِح ذلك تمامًا في قول الشاعِر:
إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ... مِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانَهَا كَرَمُ (¬١)
فالشَّرْط الأوَّلُ: (إِنْ تَستَغِيثُوا)، والثاني: (إِنْ تُذْعَرُوا)، والشَّرْط الثاني مُتأخِّر عن الأوَّل في اللفظ، لكن مُتَقدِّم عنه في المعنى والرُّتْبة؛ لأن الذُّعْر سابِق على الاستِغاثة.
وهذه قاعِدة: كلَّما تَعدَّدَتِ الشروط فإن الشَّرْط الثاني سابِق على الشَّرْط الأوَّل، أو على الشَّرْط الذي قَبْله لو تَعدَّدَت؛ ولو كانت ثلاثة شروط أو أربعة شروط فالثاني سابِقٌ لقَبْله، فإذا كانت ثَلاثة شُروط فالثالِثُ سابِق على الثاني، والثاني سابِق على الأوَّلِ، يَعنِي: بالعكس.
وهنا قال تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ} الإرادةُ تَسبِق الحِلَّ والقَبول؛ ولهذا قال تعالى: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا}، وفائِدة هذا الشَّرْطِ أنه لمَّا كان ردُّ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للمَرأة إذا وهَبَت نَفْسها النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا كان أمرًا شديدًا وكان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أشدَّ الناس حَياءً كان عَرْض المَرأةِ نَفْسَها على الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قد يَكون شِبهَ مُلزِم له بمُقتَضى خُلُقه، فلمَّا كان كذلك فتَحَ اللَّه تعالى لرسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- البابَ على مِصراعَيْه؛ حيث أَثبَتَ له الإرادة والتَّخيير في هذه الحالِ، فقال تعالى: {إِنْ أَرَادَ}.
---------------
(¬١) غير منسوب، وانظره في: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦١٤)، ومغني اللبيب (ص: ٨٠١)، وهمع الهوامع (٢/ ٥٦٤).