كتاب تفسير العثيمين: الأحزاب

زوجته الجديدةِ ألَّا يَقسِم لها فقَبِلَت، ففي هذه الحالِ لا تمَلِك الرُّجوع؛ لأنه صار شَرْطًا في العَقْد، والشَّرْط في العَقْد يَجِب الوفاء به؛ لدُخوله في عُموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: ١]، بخِلاف ما لو أَسقَطَتْه بعد العَقْد، فإن هذا إِسقاط لها أَنْ تَرجِع فيه؛ لأنها لا تمَلِك إسقاط المُستَقبَل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- داخِل في التَّكليف لقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ}؛ لأن نَفيَ الوَصْف عن شيء ما يَدُلُّ على إمكان اتِّصافها به، إذ لو كان مُنتَفيًا من الأصل ما احتِيج إلى نَفيِه، فدَّل هذا على أنه يُمكِن أن يَكون على النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جُناح، وهذا دليلٌ على تَكليفه بأَحْكام الرِّسالة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُ على الجَبْرية، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ} أي: طلَبْت وأرَدْت. والجَبْرية يَرَوْن أنَّ الإنسان ليس له إرادة وإنما يُجبَر ويُسخَّر على عَمَله بدون إرادة منه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات العِلَل والحِكَم للأَحْكام، حيث إن الأحكامَ مَربوطة بعِلَلها وحِكَمِها، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}، وإِثبات الحِكَم في أحكام اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الكوَنْية والقَدَرية كثيرة جِدًّا، وكلُّها تُرَدُّ أيضًا على الجَبْرية؛ لأن الجَبْرية يَرَوْن أن أفعال اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأَحْكَامه غير مُعلَّلة، وأنه تعالى يَفعَل لا لعِلَّة وحِكْمة، بل لمُجرَّد المَشيئة.
وهل في ذلك ما يُؤيِّد مَذهَب المُعتَزِلة القائِلين بوُجوب الأَصْلح، أو الصَّلاح في حقِّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ؟
الجَوابُ: ورَدَ في العَقيدة السَّفارِينيَّة قوله:

الصفحة 400