كتاب نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (اسم الجزء: 15)
قدم الأكبر وبابه من: كَبِرَ يَكْبَرُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ: إذا أسن، ومصدره: كِبَر بكسر الكاف وفتح الباء، وكذا مكبِر بكسر الباء، وأما: كَبرَ يَكْبُرُ كحسُنَ يحسْنُ، فمعناه: عظُمَ، وكِبْرُ الشيء بكسر الكاف وسكون الباء: معظمه، قال الله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} (¬1)، والكِبْر: التجبر أيضًا، وأما الكُبر بضم الكاف وسكون الباء كما هو لفظ الحديث فهو يعني الأكبر كما في حديث آخر "الولاء للكبْر" (¬2) وهو أن يموت الرجل ويترك ابنًا وابن ابن، فالولاء للابن دون ابن الابن، وإنما كرر لفظ: "الكُبْرَ" في الحديث لأجل التأكيد، وانتصابه على المفعولية، أي: قدموا الأكبر، ويجوز الرفع بمعنى ليبدأ الأكبر أو ليتقدم؛ فافهم.
قوله: "تكلم الكبير منهما" كان الكبير من الأخوين هو حويصة.
قوله: "أفتبرئكم" الهمزة فيه للاستفهام، وهو من الإبراء.
قوله: "فوداه رسول الله -عليه السلام-" أي أدى ديته من عنده، وفي رواية أخرى: "فوداه من إبل الصدقة".
فإن قلت: إبل الصدقة للفقراء والمساكين ولا تؤدى في الديات.
قلت: كأن رسول الله -عليه السلام- رأى تطييب قلوب الفريقين، ووداه من عنده واستلفها من إبل الصدقة حتى يؤديها مما أفاء الله عليه من خُمس المغنم، لأنه -عليه السلام- لم يكن يجتمع عنده من سهمه ما يبلغ مائة إبل لإعطائه إياها، ومن روى: "من إبل الصدقة" أخبر عن ظاهر الأمر، ومن روى: "من عنده" أخبر عن باطن القصة.
¬__________
(¬1) سورة النور، آية: [11].
(¬2) رواه الدارمي في "سننه" (2/ 470 رقم 3022) من طريق الشعبي عن عمر وعلي وزيد -قال: وأحسبه قد ذكر عبد الله أيضًا، ورواه البيهقي في "سننه" أيضًا من طريق الشعبي به (10/ 303 رقم 21283) ومن طريق إبراهيم عن عمر وعبد الله وزيد - رضي الله عنهم - (10/ 303 رقم 21284) وغيرهما.