كتاب موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين (اسم الجزء: 15/ 2)

وأوضح شاهد على هذا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند احتضار ابنه إبراهيم - عليه السلام -: "إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (¬1)، وقول يعقوب - عليه السلام - فيما قصه الله في القرآن: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]، ونفي الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب، وفوزهم بالنعم الخالدة في الجنة، فتتم المقابلة بين جزاء المهتدين، وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] (¬2).
3 - الترجيح بالعقل: أما استخدامه للجانب العقلي في الترجيح، فمن شواهد ذلك: ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى:
أ - {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16].
يقول: "جاءت هذه الجملة عقب الحديث عن استبدال المنافقين الضلالةَ بالهدى، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشد، وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق. ويصح أن يراعى في هذه الجملة إخراج لك الاستبدال في صورة المبايعة التجارية، فيكون المعنى: وما كانوا مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة؛ حيث باعوا الهدى -الذي هو مطلع النجاح والسعادة- بالضلالة التي هي مهواة الخيبة والشقاء" (¬3).
¬__________
(¬1) رواه البخاري كتاب: "الجنائز"، باب: "قول النبي: إنا بك لمحزونون" (ج 1/ ص 402 حديث رقم/ 1303).
(¬2) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 67).
(¬3) محمد الخضر حسين "أسرار التنزيل" (ص 30).

الصفحة 187