كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 15)
وقال الجنيد: مرَّ بي يومًا وأنا جالسٌ على الباب، فرأيتُ في وجهه أثرَ الجوع، فقلت: يا عم، لو ملتَ إلينا، فدخلَ الدار، فقمتُ ودخلتُ بيتَ عمي، فأتيتُه بأنواع الأطعمة من عرسٍ حُمِلَ إليهم، فمدَّ يده فأخذ لقمةً فدفعها (¬1) إلى فيه، وجعل يلوكها [ولا] يزدردُها، وقام وخرج وما كلَّمني، فلقيتُه من الغد، فقلت له: يا عم، سررتني ثم نغصتني، فقال: يا بنيّ، أمَّا الفاقة فكانت [شديدة، وقد اجتهدتُ في أن أنال من الطعام الذي قدَّمته إليَّ، ولكن] (¬2) بيني وبين الله علامةٌ، إذا لم يكن الطعام مرضيًّا، ارتفع إلى أنفي منه زفرةٌ (¬3)، فأصابني أمس كذلك، وقد رميتُ اللقمةَ في دهليزكم وخرجت، فقدَّمتُ إليه كسرًا يابسةً، فأكلَ منها، وقال: إذا قَدَّمت إلى فقيرٍ منها شيئًا، فقدِّم مثلَ هذا.
ذكر نبدة من كلامه
قال: ثلاثةٌ عزيزةٌ أو معدومة؛ حسنُ الوجه مع الصِّيانة، وحسن الخُلُق مع الدِّيانة، وحسنُ الإخاءِ مع الأمانة.
وقال: العلمُ يورِثُ المخافة، والزهد يورث [الراحة] (¬4)، والمعرفةُ تورث الإنابة. وخيارُ هذه الأمَّة الذين لا تشغلهم آخرتُهم عن دُنياهم، ولا دنياهُم عن آخرتهم. ومن حَسُنت معاملتُه في الظاهر مع جهد باطنه، أورثَه الله الهداية إليه؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].
وقال الجنيد: كنتُ أقولُ كثيرًا: عزلتي أنسي، فقال لي الحارث: كم تقول هذا؟ ! لو أنَّ نصفَ الخلق قَرُبوا منِّي ما وجدتُ بهم أنسًا، ولو أنَّ النصفَ الآخر نأوا عنِّي ما استوحشتُ لبعدهم.
¬__________
(¬1) في المصادر: فرفعها.
(¬2) ما بين حاصرتين من حلية الأولياء 10/ 75، وتاريخ بغداد 9/ 108 وغيرها.
(¬3) في المصادر: زفورة.
(¬4) ما بين حاصرتين من طبقات الصوفية ص 58، وحلية الأولياء 10/ 75، ومناقب الأبرار 1/ 166. ومكانها في (ف): بياض، وقوله: والزهد يورث الراحة. ليس في (خ).