كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 15)

وقال الخطيب: كان أحمدُ ينكر على الحارث خوضَهُ في علوم الكلام، ويصدُّ الناس عنه (¬1).
وهجرَه أحمد فاختفَى في دارٍ ببغداد، فماتَ فيها ولم يصلِّ عليه إلَّا أربعة نفر (¬2).
قال المصنِّف رحمه الله: وكان الذي ينكره الإمام أحمد عليه كلامَه في الأصول، أمَّا غيره من علوم الحقائق (¬3). والإمام أحمد رحمه الله ماتَ قبل الحارث بمدَّةٍ على ما ذكرنا.
وقال الحارث: جلستُ ليلةً في محرابي، فإذا بفتًى من أحسن الناس وجهًا، طيِّبِ الرائحة، فسلَّمَ عليَّ وقعدَ بين يديّ، فقلت: من أنت؟ فقال: واحدٌ من السائحين، أقصد المتعبدين في مَحاريبهم (¬4)، ثم قال: ما أرى لك اجتهاد، فإيش عملك؟ فقلت: كتمانُ المصائب واجتلاب الفوائد، فصاح صيحةً عظيمةً وقال: ما أظنُّ أحدًا بين جنبي المشرق والمغرب بهذه الصفة، فأردتُ أن أزيدَه فقلت: أما علمتَ أنَّ أربابَ الأحوال يتحمَّلون الأثقال ويكتمون الأسرار، فصاح صيحةً أخرى وغُشِيَ عليه، فلمَّا أفاق قام فدخل على المأمون، فقال: من أنت؟ فقال: رجلٌ من السياحين [فكرت فيما عمل الصدِّيقون قبلي] (¬5) فلم أر موعظةً أفضل من موعظة جبَّارٍ ظالم، وأنت والله ظالمٌ، وأنا ظالمٌ إن لم أقل لك: يا ظالم، فأمرَ به المأمونُ فقتل، قال: فبتُّ محزونًا عليه، فرأيتُه في المنام، فقلت: والله لمحزون عليك، فقال: والله يا حارث أتيت (¬6) والله الكاتمين الذين يخفون أحوالهم، ويكتمونَ أسرارهم، فقلت: وأين هم؟ قال: الساعة يتلقونك، وإذا بركبان، فقالوا: يا حارث، أمَّا السائحُ فقد بذل نفسَه لله في الجهاد، فأنزله الله معنا، وأما الذي قتلَه فقد غضبَ الله عليه.
¬__________
(¬1) تاريخ بغداد 9/ 109.
(¬2) تاريخ بغداد 9/ 110.
(¬3) كذا في (خ) و (ف)! ؟
(¬4) في (خ) و (ف): محارباتهم.
(¬5) في (خ) و (ف) بياض بمقدار كلمتين، وما بين حاصرتين من مناقب الأبرار 1/ 171، وانظر إحياء علوم الدين 2/ 355 - 356.
(¬6) في (خ): أثيب، والمثبت من (ف)، ومناقب الأبرار 1/ 172.

الصفحة 126