كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع (اسم الجزء: 15)
عن رعيته بعبادته الخاصة، بدليل قوله: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}، مع أن الله ـ تعالى ـ جعله خليفة يحكم بين الناس، والموظف لا يشتغل بما يشغله عن وظيفته، فإذا كان الله ـ عزّ وجل ـ قد كلفه أن يقوم بهذه المهمة، فلا ينبغي أن يختص الوقت لنفسه، ولهذا لما جاؤوا ووجدوا المحراب مغلقاً تسوَّروه؛ لأنهم أصحاب حاجة، كما أن داود ـ عليه الصلاة والسلام ـ حكم قبل أن يدلي الخصم بحجته التي يدافع بها عن نفسه، فبمجرد ما قال المدعي: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} إلى آخره، قال: {لَقَدْ ظَلَمَكَ}، وهذا يدل على أنه لا يحكم لأحد إلا بسماع حجة صاحبه.
ولكن قد يقول القائلون بالحكم على الغائب: إن هذا حاضر، فسماع حجته سهل، بخلاف الغائب، لكن قد ورد في حديث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضي للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي» قال علي: فما زلت قاضياً بعد (¬1)، وهذا الحديث فيه مقال، لكن بعضهم حسَّنه.
أما النظر فقالوا: إنه لا يمكن أن يحكم لهذا الحاضر على الغائب؛ لاحتمال أن يكون قد قضاه حقه، فإذا قال: أنا أدعي عليه بمائة ريال، وأتى بالشهود، فمن الجائز أن يكون المدعى
¬__________
(¬1) أخرجه أحمد (1/ 143)، وأبو داود في الأقضية/ باب كيف القضاء (3582)، والترمذي في الأحكام/ باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين ... (1331)، وحسنه، والحاكم (4/ 105)، والبيهقي (10/ 137) والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي.