كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 15)

يَدَّعِي الْأُلُوهِيَّةَ وَيَرَى تَحْقِيقَهَا بِالْجُلُوسِ فِي مَكَانٍ مُشْرِفٍ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ" فَأَطَّلِعَ" بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ:" أَبْلُغُ" وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَالسُّلَمِيُّ وَعِيسَى وَحَفْصٌ" فَأَطَّلِعَ" بِالنَّصْبِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَلَى جَوَابِ" لَعَلَّ" بِالْفَاءِ. النَّحَّاسُ: وَمَعْنَى النَّصْبِ خِلَافُ مَعْنَى الرَّفْعِ، لِأَنَّ مَعْنَى النَّصْبِ مَتَى بَلَغْتُ الْأَسْبَابَ اطَّلَعْتُ. وَمَعْنَى الرَّفْعِ" لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ" ثُمَّ لَعَلِّي أَطَّلِعُ بَعْدَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ ثُمَّ أَشَدُّ تَرَاخِيًا مِنَ الْفَاءِ." وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً" أَيْ وَإِنِّي لَأَظُنُ مُوسَى كَاذِبًا فِي ادِّعَائِهِ إِلَهًا دُونِي، وَإِنَّمَا أَفْعَلُ مَا أَفْعَلُ لِإِزَاحَةِ الْعِلَّةِ. وَهَذَا يُوجِبُ شَكَّ فِرْعَوْنَ فِي أَمْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الظَّنَّ بِمَعْنَى الْيَقِينِ أَيْ وَأَنَا أَتَيَقَّنُ أَنَّهُ كَاذِبٌ وَإِنَّمَا أَقُولُ مَا أقول لإزالة الشبهة عمن لا أتيقن مَا أَتَيَقَّنُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ" أَيِ الشِّرْكُ وَالتَّكْذِيبُ." وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ" قِرَاءَةُ الْكُوفِيِّينَ" وَصُدَّ" عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَاتِمٍ، وَيَجُوزُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ" وَصِدَّ" بِكَسْرِ الصاد نقلت كسرة الدال عل الصَّادِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ وَعَلْقَمَةَ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَكْرَةَ" وَصَدٌّ عَنِ السَّبِيلِ" بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ. الْبَاقُونَ" وَصَدَّ" بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ. أَيْ صَدَّ فِرْعَوْنُ النَّاسَ عَنِ السَّبِيلِ." وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ" أَيْ فِي خُسْرَانٍ وَضَلَالٍ، وَمِنْهُ:" تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ" [المسد: 1] وقوله:" وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ" [هود: 101] وفي موضع" غَيْرَ تَخْسِيرٍ" [هود: 63] فَهَدَّ اللَّهُ صَرْحَهُ وَغَرَّقَهُ هُوَ وَقَوْمَهُ عَلَى ما تقدم «1».

[سورة غافر (40): الآيات 38 الى 44]
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (40) وَيا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42)
لَا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (44)
__________
(1). راجع ج 13 ص 288 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية. [ ..... ]

الصفحة 315