فقال: "إلا لمنشد" وهو يريد المعنى الأول (¬1) كما يقول الرجل: والله لا فعلت كذا وكذا، ثم يقول: إن شاء الله وهو لا يريد الرجوع عن يمينه، فمعناه أنه ليس يحل منها إلا إنشادها، وأما الانتفاع بها فلا يجوز، وفيها قول ثالث قاله جرير بن عبد الحميد. قوله: "إلا لمنشد" يعني: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أصاب كذا فحينئذٍ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها لكي يردها على صاحبها (¬2).
ومال إسحاق بن راهويه إلى هذا القول، وقاله النضر بن شميل (¬3).
قال الطحاوي: وجاء في حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا ووصف مكة قال: "ولا ترفع لقطتها إلا لمنشدها". ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ولا يرفع لقطتها إلا منشد" (¬4).
وفيها قول رابع- يعني: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قال أبو عبيد: وهو جيد في المعنى، ولكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد، إنما المنشد المعرف والطالب هو الناشد، يدل على ذلك أنه - عليه السلام - سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: "أيها الناشد غيرك الواجد" (¬5).
قال أبو عبيد: وليس للحديث وجه إلا ما قاله ابن مهدي (¬6).
قال ابن بطال: ولو كان حكم لقطة مكة حكم غيرها ما كان لقوله:
¬__________
(¬1) "الإشراف" 2/ 157، "المغني" 8/ 306.
(¬2) "الإشراف" 2/ 157.
(¬3) "شرح معاني الآثار" 4/ 140.
(¬4) "شرح معاني الآثار" 4/ 140.
(¬5) رواه عبد الرزاق 1/ 440 (1723).
(¬6) "غريب الحديث" 1/ 279.