كتاب شمائل النبوة للقفال

543 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود، نا محمد بن مسعود العجمي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاءه".
544 - حدثنا أبو بكر بن أبي داود، نا الحسن بن محمد بن الصباح والعباس بن محمد بن حاتم قالا: نا شبابة بن سوار، عن مغيرة بن مسلم، عن مطر، عن قتادة، عن أنس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائما، وعن الأكل قائما، وعن [المجثمة]، وعن الجلالة، وأن يشرب من في السقاء.
فقد يحتمل أن يكون ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرب قائما تعريفا أن نهيه عن ذلك استحباب، ويكون وجهه أن الشارب قائما إنما يشرب غير مطمئن، والأغلب أيضا أن أحدا لا يقصد الشرب قائما إلا إذا كان ناهضا للحركة عن موضعه، أو يكون جائيا عن موضع ثان قد سار إليه، والشرب في كلا الوجهين لا يقع إلا في حال حركة أو نفيه من الحركة، فاستحب أن يكون شربه يقع مطمئنا جالسا ليصل الماء إلى جوفه على سكون وحال يجري في العروق على ما يحب أن يقع جريه عليه، فلا يؤدي إلى مرض، ويكون هذا المعنى عن الأكل قائما، وعلى هذا المعنى غلظ الشرب على هذه الحالة، فقيل: لو يعلم فاعله لاستقاءه.
فأما ما روي من شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فأكثر الأخبار فيه أنه كان بزمزم قائما عند البئر، ولعل الجلوس كان غير ممكن له لضيق الموضع عليه بازدحام الناس، وكان هذا ضربا من العذر، وعلى هذا النحو ما روي من شربه قائما من القربة من قبل أن القربة تكون معلقة في موضع يحتاج من يريد الشرب منها إلى قيام، وهذا أيضا حالة شبيهة بالضرورة، فما اتفق من هذه الأحوال فالشرب قائما محال، وما خرج عن ذلك فعلى أصل النهي، والله أعلم.

الصفحة 358