كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (اسم الجزء: 1)

14 - الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَبِي أَيُّوبَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُمْ أَجَازُوا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ مَعًا فِي الْبُنْيَانِ. وَعَلَيْهِ هَذَا السُّؤَالُ.
هَذَا لَوْ كَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ لَفْظٌ وَاحِدٌ يَعُمُّ الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الِاسْتِدْبَارُ، وَيَبْقَى الِاسْتِقْبَالُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا. وَلَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. بَلْ هُمَا جُمْلَتَانِ، دَلَّتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَالْأُخْرَى عَلَى الِاسْتِدْبَارِ.
تَنَاوَلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إحْدَاهُمَا، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي مَحَلِّهَا. وَحَدِيثُهُ خَاصٌّ بِبَعْضِ صُوَرِ عُمُومِهَا. وَالْجُمْلَةُ الْأُخْرَى: لَمْ يَتَنَاوَلْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ. فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا.
وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: أَقِيسُ الِاسْتِقْبَالَ فِي الْبُنْيَانِ - وَإِنْ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ - عَلَى الِاسْتِدْبَارِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ.
فَيُقَالُ لَهُ: أَوَّلًا: فِي هَذَا تَقْدِيمُ الْقِيَاسِ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ الْعَامِّ. وَفِيهِ مَا فِيهِ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَثَانِيًا: إنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ مُسَاوَاةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ، أَوْ زِيَادَتُهُ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي الْحُكْمِ. وَلَا تَسَاوِي هَهُنَا. فَإِنَّ الِاسْتِقْبَالَ يَزِيدُ فِي الْقُبْحِ عَلَى الِاسْتِدْبَارِ، عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الْعُرْفُ. وَلِهَذَا اعْتَبَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْمَعْنَى، فَمَنَعَ الِاسْتِقْبَالَ وَأَجَازَ الِاسْتِدْبَارَ. وَإِذَا كَانَ الِاسْتِقْبَالُ أَزْيَدَ فِي الْقُبْحِ مِنْ الِاسْتِدْبَارِ: فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إلْغَاءِ الْمَفْسَدَةِ النَّاقِصَةِ فِي الْقُبْحِ فِي حُكْمِ الْجَوَازِ إلْغَاءُ الْمَفْسَدَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْقُبْحِ فِي حُكْمِ الْجَوَازِ.

[حَدِيثُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ]
"

الصفحة 101

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text