كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (اسم الجزء: 1)

30 - الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ «وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضُوءَ الْجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ، أَوْ الْحَائِطِ، مَرَّتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثًا - ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأُرْوِيتُهُ أَنَا فَرُوِيَ، وَقَوْلُهَا " بَشَرَتَهُ " الْبَشَرَةُ: ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ، وَالْمُرَادُ بِإِرْوَاءِ الْبَشَرَةِ: إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الْجِلْدِ، وَلَا يَصِلُ إلَى جَمِيعِ جِلْدِهِ إلَّا وَقَدْ ابْتَلَتْ أُصُولُ الشَّعْرِ، أَوْ كُلِّهِ، وَقَوْلُهَا " أَفَاضَ الْمَاءَ " إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الشَّيْءِ: إفْرَاغُهُ عَلَيْهِ، يُقَالُ: فَاضَ الْمَاءُ: إذَا جَرَى، وَفَاضَ الدَّمْعُ: إذَا سَالَ، وَقَوْلُهَا " عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ " أَيْ بَقِيَّتِهِ، فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ الرَّأْسَ أَوَّلًا، وَالْأَصْل فِي " سَائِرِ " أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ، وَقَالُوا: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّؤْرِ، قَالَ الشَّنْفَرَى:
إذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي رَأْسٍ أَكْثَرِي ... وَغُودِرَ عِنْدَ الْمُلْتَقَى ثُمَّ سَائِرِي
أَيْ بَقِيَّتِي، وَقَدْ أُنْكِرَ فِي أَوْهَامِ الْخَوَاصِّ: جَعْلُهَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، وَفِي كِتَابِ الصِّحَاحِ: مَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَهُ.

[اغْتِسَال الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ] 1
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُمَا إذَا اعْتَقَبَا اغْتِرَافَ الْمَاءِ: كَانَ اغْتِرَافُ الرَّجُلِ فِي بَعْضِ الِاغْتِرَافَاتِ مُتَأَخِّرًا عَنْ اغْتِرَافِ الْمَرْأَةِ، فَيَكُونُ تَطَهُّرًا بِفَضْلِهَا، وَلَا يُقَالُ: إنَّ قَوْلَهَا " نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا " يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي وَقْتِ الِاغْتِرَافِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا اللَّفْظُ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ - أَعْنِي " نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا " عَلَى مَا إذَا تَعَاقَبَا الِاغْتِرَافَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى اغْتِرَافِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: أَحْمِلُهُ عَلَى شُرُوعِهِمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ، فَإِذَا قُلْتَ بِهِ مِنْ وَجْهٍ أَكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الصفحة 132

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text