كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (اسم الجزء: 1)

34 - الْحَدِيثُ السَّابِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» ، وَفِي لَفْظٍ «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّظَرُ بَيْنَ اتِّبَاعِ هَذَا الْأَصْلِ وَبَيْنَ اتِّبَاعِ الْقِيَاسِ، وَمُخَالَفَةِ هَذَا الْأَصْلِ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهُمَا عُمِلَ بِهِ، لَا سِيَّمَا إنْ انْضَمَّتْ قَرَائِنُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ تَنْفِي هَذَا الِاحْتِمَالَ، فَإِذْ ذَاكَ يَتَقَوَّى الْعَمَلُ بِهِ، وَيُنْظَرُ إلَى الرَّاجِحِ بَعْدَ تِلْكَ الْقَرَائِنِ، أَوْ مِنْ الْقِيَاسِ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَفْظَ " الْجَنَابَةِ " بِإِزَاءِ " الْمَنِيِّ " وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِإِزَاءِ الْمَنْعِ، وَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُرَتَّبِ عَلَى خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حَدِيثُ إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ]
" الشُّعَبُ " جَمْعُ شُعْبَةٍ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ مِنْ الشَّيْءِ، وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالشُّعَبِ الْأَرْبَعِ، فَقِيلَ: يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا، أَوْ رِجْلَاهَا وَفَخْذَاهَا، أَوْ فَخْذَاهَا وَأَسْكَتَاهَا أَوْ نَوَاحِي الْفَرْجِ الْأَرْبَعِ، وَفَسَّرَ " الشُّعَبَ " بِالنَّوَاحِي، وَكَأَنَّهُ تَحْوِيمٌ عَلَى طَلَبِ الْحَقِيقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْغُسْلِ وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَالْفَخْذَيْنِ، وَيَكُونُ الْجِمَاعُ مَكْنِيًّا عَنْهُ بِذَلِكَ، وَيُكْتَفَى بِمَا ذُكِرَ عَنْ التَّصْرِيحِ، وَإِنَّمَا رَجَحْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ، إذْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى نَوَاحِي الْفَرْجِ: فَلَا جُلُوسَ بَيْنَهَا حَقِيقَةً، وَقَدْ يُكْتَفَى بِالْكِنَايَةِ عَنْ التَّصْرِيحِ، لَا سِيَّمَا فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَسْتَحْيِي مِنْ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِهَا، وَأَيْضًا فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ " الْجَهْدُ " مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ " جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ " كِنَايَةً عَنْ الْجِمَاعِ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ،

الصفحة 142

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text