كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (اسم الجزء: 1)

وَفِي لَفْظِ " فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ: فَفِي بَيْتِهِ ". وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ " حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ. وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا» .
ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذَا الْحَدِيثُ: يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْعَدَدُ مِنْهَا. وَفِي تَقْدِيمِ السُّنَنِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهَا: مَعْنًى لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ. أَمَّا فِي التَّقْدِيمِ: فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا. فَتَتَكَيَّفُ النَّفْسُ مِنْ ذَلِكَ بِحَالَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ حُضُورِ الْقَلْبِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْخُشُوعِ فِيهَا، الَّذِي هُوَ رُوحُهَا. فَإِذَا قُدِّمَتْ السُّنَنُ عَلَى الْفَرِيضَةِ تَأَنَّسَتْ النَّفْسُ بِالْعِبَادَةِ، وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تَقْرُبُ مِنْ الْخُشُوعِ. فَيَدْخُلُ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَمْ تَكُنْ تَحْصُلُ لَهُ لَوْ لَمْ تُقَدَّمْ السُّنَّةُ. فَإِنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّكَيُّفِ بِمَا هِيَ فِيهِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَثُرَ أَوْ طَالَ. وَوُرُودُ الْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِمَا قَبْلَهَا قَدْ يَمْحُو أَثَرَ الْحَالَةِ السَّابِقَةِ أَوْ يُضْعِفُهُ. وَأَمَّا السُّنَنُ الْمُتَأَخِّرَةُ: فَلِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِلَ جَابِرَةٌ لِنُقْصَانِ الْفَرَائِضِ. فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ خَلَلًا فِيهِ إنْ وَقَعَ.

[أَعْدَاد رَكَعَاتِ الرَّوَاتِبِ] 1
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الرَّوَاتِبِ فِعْلًا وَقَوْلًا. وَاخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الِاخْتِيَارِ لِتِلْكَ الْأَعْدَادِ وَالرَّوَاتِبِ. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ: وَإِنَّمَا يُوَقِّتُ فِي هَذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَالْحَقُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذَا الْبَابِ - أَعْنِي مَا وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّطَوُّعَاتِ وَالنَّوَافِلِ الْمُرْسَلَةِ - أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ عَدَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ، أَوْ هَيْئَةٍ مِنْ الْهَيْئَاتِ، أَوْ نَافِلَةٍ مِنْ النَّوَافِلِ: يُعْمَلُ بِهِ فِي اسْتِحْبَابِهِ ثُمَّ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ. فَمَا كَانَ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى تَأَكُّدِهِ - إمَّا بِمُلَازَمَتِهِ فِعْلًا، أَوْ بِكَثْرَةِ فِعْلِهِ، وَإِمَّا بِقُوَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى تَأَكُّدِ حُكْمِهِ، وَإِمَّا بِمُعَاضَدَةِ حَدِيثٍ آخَرَ لَهُ، أَوْ أَحَادِيثَ فِيهِ - تَعْلُو مَرْتَبَتُهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ. وَمَا يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ

الصفحة 199

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text