كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

عن بعض نوابه أنه تمثل بأبيات في الخمر فعزله. والخمر الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم بجلد شاريها، كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ مِنْ أَيِّ أَصْلٍ كَانَ، سواء كان مِنْ الثِّمَارِ كَالْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، وَالتِّينِ. أَوْ الْحُبُوبِ، كَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. أَوْ الطُّلُولِ كَالْعَسَلِ. أَوْ الْحَيَوَانِ، كَلَبَنِ الْخَيْلِ، بَلْ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ خَمْرِ الْعِنَبِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ شَجَرُ عِنَبٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تُجْلَبُ مِنْ الشَّامِ، وَكَانَ عَامَّةُ شَرَابِهِمْ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وخلفائه الراشدين وَأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- أَنَّهُ حَرَّمَ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَمْرٌ. وَكَانُوا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ الْحُلْوَ، وَهُوَ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْمَاءِ تَمْرٌ وزبيب أي يطرح فيه، والنبذ: الطرح ليحلو الماء لا سيما كثير مِنْ مِيَاهِ الْحِجَازِ، فَإِنَّ فِيهِ مُلُوحَةً، فَهَذَا النَّبِيذُ حَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْكِرُ، كَمَا يَحِلُّ شُرْبُ عَصِيرِ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا هَذَا النَّبِيذَ في أوعية الخشب، أو الجري، وَهُوَ مَا يُصْنَعُ مِنْ التُّرَابِ. أَوْ الْقُرَعِ، أَوْ الظُّرُوفِ الْمُزَفَّتَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا فِي الظُّرُوفِ الَّتِي تُرْبَطُ أَفْوَاهُهَا بِالْأَوْكِيَةِ؛ لِأَنَّ الشِّدَّةَ تَدِبُّ فِي النَّبِيذِ دَبِيبًا خَفِيفًا، وَلَا يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ، فَرُبَّمَا شَرِبَ الْإِنْسَانُ مَا قَدْ دَبَّتْ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَإِذَا كان السقاء موكى، انشق الظرف، إذا غلى فِيهِ النَّبِيذُ، فَلَا يَقَعُ الْإِنْسَانُ فِي مَحْذُورٍ، وَتِلْكَ الْأَوْعِيَةُ لَا تَنْشَقُّ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ بَعْدَ هَذَا فِي الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ، وَقَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا، وَلَا تَشْرَبُوا المسكر»

الصفحة 86

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text