كتاب نشأة النثر الحديث وتطوره

ومن ذلك تلك الصور العديدة التي خلعها على القمر في موضوعه مناجاة القمر حيث يقول له: أأنت عروس حسناء تشرق من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان؟ أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، وهذه النيرات حور وولدان؟ أم فص من ماس يتلألأ وهذا الأفق المحيط بك خاتم من الأنوار؟ أم مرآة صافية وهذه الهالة الدائرة بك إطار؟ أم عين ثرة ثجاجة، وهذه الأشعة جداول تتدافق؟ أم تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر يتألق؟
ليس في هذا التشبيه أي صدق في الإحساس، بل فيه تناقض، فبينا هو عين ثرة، والأشعة جداول، إذا هو تنور مسجور والكواكب شرر، والفرق بين التشبيهين شاسع، فالمفروض أن التشبيه يحمل لنا شعور الكاتب وهو يرى القمر، فآونة يرى القمر عروسًا والنجوم حولها قلائد من جمان، وآونة هو ملك عظيم وهذه النيرات حور وولدان، وآونة فص من ماس، فهو تارة أنثى وتارة ذكرًا وأخرى جمادًا، إنه ينظر إلى الشكل الخارجي، ومع ذلك لم يوفق في التشبيه وتبيان الحقيقة، فضلًا من إظهار العاطفة.
ومن هذه المجازات الفاسدة قوله في الشعرة البيضاء: "رأيت الشعرة البيضاء في مفرقي فارتعت لمرآها كأنما خيل إلى أنها سيف جرده القضاء على رأسي، أو علم أبيض يحمله رسول جاء من عالم الغيب ينذرني باقتراب الأجل".
والنذير لا يحمل علمًا أبيض.
وقوله: "وبينا أقلب أوراقي ليلة أمس إذ عثرت بها في سفط صغير، قد اصفر لونه لتقادم العهد عليه، كما يصفر الكفن حول الجثة البالية"، فأي تشبيه؟! وأي علاقة بين الكفن وبين السفط!! وهل رأى الكفن حول الجثة البالية، وأي تفزز يوحيه مثل هذا التعبير!!
وقوله: "وأن الغناء العربي كان قريبًا إلى القلوب، وأنه كان منها بمنزلة الأصابع من الأوتار فإذا لمسها رنت رنين الثكلى والمرزوءة في واحدها، وأن الوجدان العربي وجدان رائق شفاف تأخذ منه مختلف الأنغام فوق ما تأخذ الكهرباء من الأجسام" أي تميته وتصعقه، وليس هذا ما يريده ولا شكن، ولكنه أراد

الصفحة 232