الفرنسية فأسف الشيخ أنه لم يجد من يترجمها له، فلما انفضت الحلقة قال الشيخ
عبدالرحمن لشيخه: هل يسوغ لمسلم أن يستعمل لغة أعداء الإسلام في حرم رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فضحك الشيخ وقال له: أنسيت يا عبدالرحمن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عهد إلى بعض
صحابته بتعلم لسان يهود؟ وعندئذ طلب عبدالرحمن من شيخه أن يترجم له الرسالة،
فانتشر خبر إجادته للفرنسية حتى أنه طلب في وظيفة مترجم لكنه اعتذر لأنه يريد
التفرغ للعلم. ومن المواقف أيضا أن أحد الطلاب استهزأ أمامه بأحد المشايخ وقال:
ومن يكون هذا الرجل وما هي منزلته؟ فغضب الشيخ وقال له: هو ممن أمرك الله
بالدعاء والاستغفار له في قوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10] والله يقول:
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] ثم وعظه بأمثال هذا الوعظ.-
ومما حصل له مما يدل على سماحة نفسه أن أحد أعدائه شج رأس ابن له انتقاما منه
فسجن هذا الجاني وكان فقيرا، فشفع الشيخ فيه فلم تقبل شفاعته، فأنفق الشيخ على
عائلة الجاني حتى خرج من سجنه، فلما عرف ذلك ثاب إلى نفسه وعاد إلى الحق.
همته: لاشك أن الشيخ ذو همة عالية دعته لترك المنصب في مالي، وترك الأهل والوطن
والتغرب من أجل طلب العلم، وقل من الناس من يقدر على هذا، بل إنه لم يعد لوطنه
أبدا بعد مفارقته إياه. وكان محتاجا إلى المال أيام الدراسة في المدينة النبوية المنورة فتارة
كان يحمل الماء بأجرة، وتارة كان يؤجر نفسه في بعض المخابز، وتارة يساعد الخياط،
وهو مع كل ذلك مكب على طلب العلم بنشاط وهمة حتى صار أستاذا في دار الحديث
التي درس فيها سنة 1364/ 1945.