كتاب مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين

1 - الِإخلاص والتجرد عن الِإرادة
يرى بعض السالكين أن الاخلاص لا يتحقق إلا إذا تجرد الِإنسان عن إرادته، وتجرد عن رؤية أعماله، وعدَّوا النظر إلى شيء من ذلك قادحا في الإخلاص: فالسهروردي يصف هؤلاء بأنهم غابوا فى إخلاصهم عن إخلاصهم، ويذكر عن بعضهم قوله: "متى شهدوا في إخلاصهم الِإخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص" (¬1). ويعرّف الجرجاني (¬2) المريد بأنَّه المجرد عن الِإرادة، وينقل عن محيي الدين بن عربي أنه قال في الفتح المكي: "المريد من انقطع إلى الله عن نظر واستبصار، وتجرد عن إرادته"، وعلَّل مقالته هذه بأن المريد: "يعلم أنه لا يقع في الوجود إلاّ ما يريده الله تعالى، لا ما يريده غيره، فيمحو إرادته في إرادته، فلا يريد إلا ما يريده الحق" (¬3).
وفي موضع آخر يعرف الجرجاني المريد بأنَّه: "المتجرد عن إرادته"، ويقل عن أبي حامد بأنه عرف المريد بقوله: "هو الذي فتح له باب الأسماء، ودخل إلى جملة المتوصلين إلى الله تعالى بالاسم" (¬4).
وذكر الجرجاني مرتبة فوق ذلك عنده، فقد عرَّف المريد بأنه "عبارة عن المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له، فجاوز الرسوم كلّها والمقامات من غير مكابدة" (¬5).
¬__________
(¬1) عوارف المعارف ص 71.
(¬2) هو علي بن محمد بن علي السيد الزين الجرجاني، من كبار علماء العربية، ولد في (تاكو) سنة (740 هـ)، ودرس في شيراز، وتوفي بها سنة (816 هـ)، له كتاب (التعريفات)، و (شرح مواقف الإبجي).
راجع: (الأعلام 5/ 816).
(¬3) التعريفات ص 184.
(¬4) المصدر السابق ص 234.
(¬5) المصدر السابق.

الصفحة 384