كتاب القواعد في توحيد العبادة (اسم الجزء: 1)

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}، فالاستفهام عن عين الخالق للتمييز بينه وبين الآلهة التي تعبد؛ فإن المستفهمين بها كانوا مقرين بصفة الخالق، وإنما طلب بالاستفهام تعيينه وتمييزه ولتقام عليهم الحجة باستحقاقه وحده العبادة" (¬١).
ويقول رحِمَهُ الله: "وقد أخبر عن الكفار أنهم يعرفونه مع ردهم على رسله قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: ٢٥]، وقال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)} [الزخرف: ٨٧]، مع آيات كثيرة وذلك موجود منهم ضرورة، وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه ويقولون: إلهنا القديم والعتيق، وإله الآلهة، ورب الأرباب، وغير ذلك من كفرهم" (¬٢).
ويقول ابن كثير: "ثم قال عَزَّ وجَلَّ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)}؛ أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره من خلقهم ليقولن الله؛ أي: يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعًا وحده لا شريك له في ذلك" (¬٣).
ويقول الإمام ابن أبي العز: "فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر تعالى عنهم بقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}، {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)} [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام: أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم؛ من الهند والترك والبربر وغيرهم" (¬٤).
---------------
(¬١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٩٧).
(¬٢) درء التعارض (٨/ ٥٠٩).
(¬٣) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣٧)، وانظر: (٣/ ٣٧٠).
(¬٤) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٧٩).

الصفحة 460