كتاب القواعد في توحيد العبادة (اسم الجزء: 2)

بطلان عبادة ما لا ينفع ولا يضرّ" (¬١).
٣ - ومن ذلك قوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)} [الأنعام: ١]، وقوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)} [الأنعام: ١٥٠]، وقوله عز وجل مستفهمًا ومقررًا المشركين بعد اعترافهم بربوبيته سبحانه: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)} [النمل: ٦٠].
يقال: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولًا إذا ساويته به؛ والمعنى: يعدلون بالله غير الله، وقال مجاهد: معناه؛ ثم الذين كفروا بربهم يشركون، والمعنيان متقاربان؛ لأن من ساوى غير الله بالله فقد أشرك (¬٢).
فالمعنى أنه سبحانه خلق ما لا يقدر عليه سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء (¬٣).
يقول أبو حيان في شأن العادلين بالله تعالى غيره: "وهم عبدة الأوثان، والجاعلون لربهم عديلًا؛ وهو المثل، عدلوا به الأصنام في العبادة والإلهية" (¬٤).
ويقول الإمام الطبري: {وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)} [الأنعام: ١٥٠]، يقول: وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات، وجحودهم قيام الساعة،
---------------
(¬١) أضواء البيان (٦/ ٢٦٩).
(¬٢) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٨٦)، ومعاني القرآن (٢/ ٣٩٨)، وقال النحاس بعد ذكره لقول الكسائي: "وهذا القول يرجع إلى قول مجاهد؛ لأنهم إذا عبدوا مع الله غيره فقد ساووه به وأشركوا". [معاني القرآن (٢/ ٣٩٠٨)، و (٢/ ٥١٥)، وتفسير الثعلبي (٤/ ١٣٣)].
(¬٣) شرح شذور الذهب، لابن هشام (١٨٥).
(¬٤) تفسير البحر المحيط (٤/ ٢٤٩).

الصفحة 758