كتاب القواعد في توحيد العبادة (اسم الجزء: 2)

منه اليهود إلى المحظور (¬١).
يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: "والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه (راعنا) أن يقال: إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه -صلى الله عليه وسلم- نظير الذي ذكر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة" (¬٢)، "ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي" (¬٣)، وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الأخرى عليها في المخاطبات" (¬٤).
ويقول الإمام ابن القيم في الآية: "نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود
---------------
(¬١) انظر: تفسير البغوي (١/ ١٠٢)، التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٥٦)، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ١٨٩)، وقال الرازي في تفسيره: "كان المسلمون يقولون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا تلا عليهم شيئًا من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابُّون بها تشبه هذه الكلمة، وهي (راعينا)؛ ومعناها: اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون راعنا افترضوه، وخاطبوه به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: (انظُرْنَا)، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} [النساء: ٤٦] ".
وذكر الإمام السمعاني قولًا آخر في حكمة النهي عن كلمة (راعنا) فقال: "والقول الثاني: أن قولهم راعنا كان فيه جفوة وخشونة؛ لأن حقيقته: (فرغ سمعك لكلامنا حتى تفهم)، وفي هذا نوع جفاء، فنزل قوله: {تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: ١٠٤]، حتى يقولوا ما يقولون على طريق التبجيل والمسألة، ويختاروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أحكمها". [انظر: تفسير الرازي الكبير (٣/ ٢٠٣)، وتفسير السمعاني (١/ ١٢٠)].
(¬٢) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٣) برقم (١٤)، والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٠٩)، برقم (١٠٦٢٠)، مع بعض الاختلاف، وأوله ثابت عند البخاري (٥/ ٢٢٨٦) برقم (٥٨٢٨)، ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٦٣)، برقم (٢٢٤٧)، من رواية أبي هريرة أيضًا.
(¬٣) سيأتي تخريجه انظر: (ص ٩٧٨).
(¬٤) تفسير الطبري (١/ ٤٧١).

الصفحة 970