كتاب الهادي والمهتدي

شاهراً سيفه، راكباً على راحلته إلى ذي القَصَّة (¬1)، فجاء علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فأخذ بزمام راحلته، فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ! ، أقول لك ما قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: «أشمر سيفك، ولا تفجعنا بنفسك» فو الله لئن أُصِبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبداً، فرجع وأمضى الجيش (¬2)، وأمر أسامة بن زيد أن يَنفذ في جيشه، وسأله أن يترك له عمر - رضي الله عنه - يستعين به على أمره، فقال: فما تقول في نفسك؟ (¬3)، فقال: يا ابن أخي! فعل الناس ما ترى فدع لي عمر، وأنفذ لوجهك، فخرج أسامة - رضي الله عنه - بالناس وشيّعه أبو بكر - رضي الله عنه - فقال له: ما أنا بموصيك بشيء، ولا آمرك به، وإنما آمرك ما أمرك به رسول الله، وامض حيث ولاك رسول الله.
نفَّذ أسامة - رضي الله عنه -، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - حكيما موفقا في هذا القرار الصارم، وكان فيه من الخير: تقديس عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ عقد اللواء لأسامة - رضي الله عنه - ووجهه بجيش إلى الروم، ومن يجسر على حل أمر أبرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان هذا من فقه أبي بكر - رضي الله عنه -، فقد عظَّم الله ورسوله في هذا الإجراء، ولم يشك في نصر الله للمؤمنين، قال الزهري رحمه الله: من فضل أبي بكر أنه لم يشك في الله ساعة (¬4)، ومن شدة وثوقه بالله تعالى كان المنقوش على خاتمه «نِعْمَ اللهُ القادر» وقد حصل بهذا الاستقواءُ الذي أراده الصحابة - رضي الله عنهم - خير كثير، فإنه لما أنفذ أسامة - رضي الله عنه - بجيشه، جعل لا يمر بقبيلٍ يريدون الارتداد إلاّ قالوا: لولا أن لهؤلاء قوةً ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم، وقتلوهم ورجعوا
¬_________
(¬1) بقعاء ذي القصة على بعد أربعة وعشرين ميلا عن المدينة (تاج العروس 1/ 5111) ولعله بين ذي خشب والمدينة، من جهة طريق تبوك الآن.
(¬2) مختصر تاريخ دمشق (4/ 291).
(¬3) تأمل هذه العبارة من أسامة - رضي الله عنه - فإن فيها إجلال لأبي بكر، فكأنه يقول لأبي بكر - رضي الله عنه -، كيف تطلب مني إبقاء عمر - رضي الله عنه -، وأنت المقدم عليه عند الله ورسوله والمؤمنين، فما زاد ذلك أبا بكر إلا تواضعا، وحلما في مخاطبة أسامة - رضي الله عنه -، مع بيان سبب استبقاء عمر - رضي الله عنه -، وفي ذلك تكريم لعمر - رضي الله عنه -، وهو والله لذلك أهل، رضي الله عنهم أجمعين.
(¬4) مختصر تاريخ دمشق (4/ 291).

الصفحة 70