كتاب الهادي والمهتدي

إلى بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يفعل ما فعل ظلما وعدوانا، بل فعله اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتنفيذا لأمره - صلى الله عليه وسلم -، لكنه بكى لأنه وقع بين نارين: عدم رضا فاطمة رضي الله عنها، والعمل بما سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان بلاءً لأبي بكر - رضي الله عنه - أيهما يقدم، ولكن قد قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (¬1)، وقد أخبره - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يورث، فاختار ما هو حق، وهذه منقبة عظيمة لأبي بكر - رضي الله عنه - ولكنه آلمه ما سمع من فاطمة رضي الله عنها لعظم مكانتها في نفسه.
أما كون فاطمة رضي الله عنها وجدت على أبي بكر - رضي الله عنه -، فهجرته ولم تكلمه حتى ماتت (¬2)، فهذا يحتمل أحد أمرين:
الأول: أنها هجرته ولم تكلمه، لعدم قناعتها بما روى عن أبيها، وهذا فيه بعد ولا يليق ببنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ترد رواية عن أبيها، من رجل تعرف قدره ومكانته عند أبيها، ثم لا ترضى بما قضى به والدها - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (¬3)، ولا ريب أن أبابكر - رضي الله عنه - لو ساير فاطمة رضي الله عنها لخالف نص القرآن، وقد سمع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه لا يورث، والمحصلة حكم النص القرآني، وحاشا أبابكر أن يعص الله ورسوله، ولو كانت فاطمة رضي الله عنها كبيرة القدر عنده، ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (¬4)، فلو أنها سرقت وقطع رسول الله يدها، هل يعني هذا أنه لا يحبها، بلى والله إنها لحبيبته، ولكن حكم الله لا يستثني شريفا ولا وضيعا.
والثاني: تفسير الهجر بعدم زيارته، فليست من المحارم اللاتي يجب التواصل معهن، فلزمت بيتها، ولو كانت محرما فإن اشتغال الخليفة بأمور المسلمين، قد
¬_________
(¬1) من الآية (63) من سورة النور.
(¬2) انظر: البخاري حديث (4240، 4241).
(¬3) الآية (36) من سورة الأحزاب.
(¬4) البخاري حديث (3475).

الصفحة 81