كتاب جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» (اسم الجزء: 16)
وَالنَّاسُ فِى الْمَسْجِدِ قَدْ مَلأُوهُ يَبْكُونَ وَيَمُوجُونَ لَا يَسْمَعُونَ، فَخَرَج الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْد الْمُطَّلِبِ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: هَلْ عِنْدَ أَحدٍ مِنْكُمْ عَهْدٌ منْ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فِى وَفَاته؟ فَليُحَدِّثَنَا، قَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ عَنْدَكَ يَا عُمَرُ مِنْ عِلْمٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ الْعَبَّاسُ: أَشْهَدُ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَشْهَدُ عَلَى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِعَهْدٍ عَهِدَهُ إِلَيْهِ فِى وَفَاتِهِ، وَاللَّه الَّذى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَقَدْ ذَاقَ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الْمَوْتَ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ السُّنُحِ (*) عَلَى دَابَّتِهِ حَتَّى نَزَلَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَقْبَلَ مَكْرُوبًا حَزِينًا، فَاسْتأْذَنَ فِى بَيْتِ ابْنَتِهِ عَائِشَة، فَأَذِنَتْ لَهُ، فَدَخَلَ وَرَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ تُوُفَى عَلى الْفِرَاشِ، وَالنِّسْوَةُ حَوْلَهُ، فَخَفَرْنَ وُجُوهَهُن وَاسْتَتَرْنَ مِنْ أَبِى بَكْرٍ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَائِشَةَ، فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَحَنَى عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِى وَيقُولُ: لَيْسَ مَا يَقُولُ ابْنُ الْخَطَّابِ بشَئٍ، تُوُفِّى رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ رَحْمَةُ اللَّه عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه، مَا أَطْيَبَكَ حَيًّا، وَمَا أَطْيَبَكَ مَيِّتًا، ثُمَّ غَشَّاهُ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ خَرَجَ سَرِيعًا إِلَى الْمَسْجِدِ يَتَوَطَّأُ رِقَاب النَّاسِ حَتَّى أَتَى المِنْبَرَ، وَجَلسَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَبَا بَكْر مُقْبِلًا إِلَيهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى جَانِبِ المِنْبَر ثُمَّ نَادَى النَّاسَ، فَجَلَسُوا وَأَنْصَتُوا، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّ اللَّه نَعَى نَبِيَّكُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ حَىٌّ بَيْن أَظهُرِكُمْ، وَنَعَاكُمْ إِلَى أَنْفُسِكُمْ، فَهُوَ الْمَوتُ حَتَّى لَا يبْقَى أَحَدٌ إِلَّا اللَّه، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} فَقالَ عُمَرُ: هَذهِ الآيَةُ فِى الْقُرْآنِ؟ فَوَاللَّه مَا عَلِمْتُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنزِلَتْ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَقَالَ: قَالَ اللَّه لمُحَمَّد {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (* *)، ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّه تَعَالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (* * *)، وقَالَ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (* * * *)، وَقَالَ: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ
¬__________
(*) في النهاية لابن الأثير مادة (سنح): ومنها في حديث أَبى بكر "كان مَنْزله بالسُّنُح" هى بضم السين والنون. وقيل: بسكونها: موضعٌ بعوالى المدينة فيه منازل بنى الحارث بن الخزرج.
(* *) الآية: 30 من سورة الزمر.
(* * *) الآية: 88 من سورة القصص.
(* * * *) الآيتان: 26، 27 من سورة الرحمن.
الصفحة 258