قال: ويقاتل أهل الكتابين والمجوس إلى أن يسلموا؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}، إلى قوله تعالى: {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]، وقوله صلى الله عليه وسلم:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ".
وقال القاضي الحسين: إنما يرتفع السيف عنهم بأن يقولوا هذه الكلمة، ويقروا بأحكامها، فأما بمجرد أن يقولوا هذه الكلمة فلا.
قال: أو يبذلوا الجزية.
ووجهه في أهل الكتابين قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} إلى قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، قال القاضي الحسين: والصغار عندنا: التزام أحكام الإسلام.
وأما في المجوس؛ فلأن عمر – رضي الله عنه – امتنع من أخذ الجزية منهم لشكه في أنهم من أهل الكتاب، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر أو نجران، وقال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".
[وقد] روى عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: إنه كان لهم كتاب يدرسونه، فسكر ملكهم فواقع بنته، فأنكر ذلك عليه أصحابه، فقال لهم: ما أرغب بكم عن سنة أبيكم آدم، إنه كان ينكح بنيه بناته، فقبل بعضهم، وأبى بعض أن يقبل، فأصبحوا وقد رفع كتابهم من بين أظهرهم ونسخ من صدورهم.
ولأجل ذلك اختلف أصحابنا في أنهم هل كان لهم كتاب ثم نسخ أم لا؟ وقال الرافعي في باب عقد الذمة: إن الأول أظهر؛ لما ذكره على- رضي الله عنه – وإن منهم من قطع به، وهو المحكي في "الحاوي" عن نصه في "الأم" و"المختصر"، وحكى عن البصريين نفي الخلاف فيهم، وحملوا قوله: إنهم أهل كتاب على أن حكمهم حكم أهل الكتاب، والذي عليه الجمهور: الطريق الأولى.