حامد القول به: أنه يصح أمان الأسير قال البندنيجي: ولو كان محبوساً. ونسبه إلى نصه في "حرملة"، موجِّهاً له بأنه ما حبس ليؤمن، فإذا تبرع به فهو مختار، وهذا ينتقض بمسألة الردة؛ فإنه ما حبس ليرتد، ورأى الإمام تخصيص الوجهين بما إذا أمن من لم يأسره، والقطع بالمنع [إذا] أمن من أسره؛ لأنه كالمكره من جهته، وعلى ذلك جرى الغزالي، ويقرب منه قول الماوردي: عندي أن أمانه يعتبر بحال من أمنه، فإن كان في أمان من المشرك صح أمان لذلك المشرك، وإن لم يكن في أمان منه لم يصح؛ لأن الأمان ما اقتضى التساوي فيه.
ثم إذا قلنا: لا يصح أمانه عموما، فهل يصح بالنسبة إلى الأسير حتى لا يجوز أن يغتال من أمنه كما في التاجر، أم لا يصح؟ فيه وجهان، والذي أورده الغزالي: الأول، والذي مال إليه الأكثرون – ومنهم القفال -: مقابله، وفرق القاضي الحسين بينه وبين التاجر: بأن التاجر في أمان منهم، وليس كذلك الأسير، وقضية الأمان: التساوي.
واعلم أن الأمان يصح بالصريح كقوله: أمنتك، أو: أنت آمن، أو: في أمان، أو: أنت مجار، أو: قد أجرتك، أو: لا بأس عليك، أو: لا خوف عليك، وما شاكله كما حكاه الماوردي.
قال الرافعي: وفي إيراد بعضهم ما يقتضي أن قوله: لا بأس عليك، كناية، وهذا خلاف ما دل عليه قول الصحابة؛ فإنه روى أن عمر –رضي الله عنه – قال للهرمزان: "تَكَلَّمْ وَلاَ بَاسَ عَلَيكَ"، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، [قَدْ أَمَّنْتَهُ]، فَقَالَ عُمَرُ: كَلاَّ، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيرُ: قَدْ قُلْتَ لَهُ: تَكَلَّمْ، وَلاَ بَاسَ عَلَيكَ؛ فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – القَتْلَ.
ويصح بالكتابة والرسالة مع الكافر والمسلم، وعد ذلك من الصرائح، ويصح أيضاً بالكناية مع النية؛ كقوله: أنت على ما تحب، أو: كن كيف شئت، أو: لا تخف ولا تحزن، [عند الماوردي، وعند الروياني قوله:"لا تخف ولا تحزن"] من الصرائح.