وروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر.
قال الشافعي – رضي الله عنه-: وهذا في معنى التنزيل. قال القاضي الحين: ولعل المعنى فيه أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين: إما أن يقتل فيفوز بالجنة، أو لا يقتل فيفوز بالدنيا والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا، وهذا بَيَّن في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} الآية [التوبة: 52].
فأوجب على كل مسلم المصابرة مع مشركين [لهذا].
قال: إلا متحرفاً لقتال، أي: مثل أن يكون الموضع الذي هو فيه لا يتهيأ له فيه القتال لضيقه، أو لكون عين الشمس أو الريح الناقل التراب في وجهه؛ فينحرف إلى مكان يتهيأ [له] فيه القتال.
قال: أو متحيزاً إلى فئة، أي: مثل أن ينهزم ليضم نفسه إلى قوم، ليعود معهم إلى القتال؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ} [الآية] [الأنفال: 16].
ولا فرق في المتحيز إلى فئة بين أن تكون الفئة قريبة أو بعيدة، كالحجاز وخراسان على الأصح، وبه جزم أبو الطيب والماوردي والمصنف وغيرهم.
وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أَنَّهُ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةٌ، وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَلَمَّا بَرَزْنَا قُلْنَاك كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ؟ فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَلَسْنَا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ صلاَةِ الفَجْرِ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا لَهُ وَقُلْنَا: نَحْنث الفَرَّارُونَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا وَقَالَ: "لاَ، بَلْ أَنْتُمُ الكَارُّونَ"، قَالَ: فَدَنَوْنَا، فَقَبَّلْنَا يَدَهُ، فَقَالَ: "أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ".