ولا شجاعة فيه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ} [محمد: 4]، [أي بالظفر، وقيل: بالأسر] {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} [محمد: 4] أي: بالاسترقاق كما حكاه الماوردي، وفيه نظر؛ لأن المن بعد الاسترقاق ممتنع، وقد دلت الآية بعد شد الوثاق على جوازه. وما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اسْتَرَقَّ بَنِي قُرَيظَةَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُوَازِنَ يَوم حنين، وادعى القاضي أبو الطيب أنه لا خلاف فيه بين المسلمين.
والدليل على جواز المن إذا رآه لكون المأسور فيه ميل إلى الإسلام، قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4]، أي: حتى ينزل عيسى ابن مريم فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وقيل: حتى يسلم جميع من على وجه الأرض، كذا قاله أبو الطيب، وفي "الحاوي" في "أوزارها" تأويلان:
أحدهما: أوزار الكفر بالإسلام.
والثاني: أثقال السلاح بالظفر.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم مَنَّ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى أَبِي العَاص بْنِ الرَّبِيعِ، وَمَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ عَلَى أَلاَّ يُقَاتِلَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ قَالَ: سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ، وَقَاتَلَهُ يَومَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللهُمَّ لاَ تَقْتُلْهُ"، فَمَا أُسِرَ يَومَئِذٍ غَيْرُهُ؛ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بيِيَدِهِ.
ورَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ سَيِّدَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، وَرَبَطُوهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِإِطْلاَقِهِ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَه إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وأخرجه البخاري ومسلم.