كتاب نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (اسم الجزء: 16)

فذهب قوم إلى كراهة كسب الحجام، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بهذا الحديث: حديث أبي جحيفة، يعني: لا يقال: هذا الحديث لا يدل على تحريم كسب الحجام، فَلِمَ ذكره هاهنا في معرض استدلال أهل المقالة الأولى؟ لأنا إنما أتينا به هاهنا لئلا يتوهم متوهم أنا قد تركنا ذلك. . . . إلى آخره.
وأراد بالقوم في قوله: فذهب قوم: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومنصورًا، وعون بن أبي جحيفة؛ فإنهم ذهبوا إلى كراهة كسب الحجام، واستدلوا على ذلك بالأحاديث المذكورة، وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا.
وقال ابن حزم (¬1): وروينا عن أبي هريرة تحريم أجرة الحجام، وروي عن عثمان أيضًا، وعن غيره من الصحابة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: كسب الحجام كسب دنيء دنس، فيكره للرجل أن يدنس نفسه، فأما أن يكون في نفسه حرامًا فلا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عكرمة وسالمًا والقاسم وابن سيرين والأوزاعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: كسب الحجام ليس بخبيث ولكنه دنيء، فيكره للرجل أن يدنس نفسه بالدناءة، وذكر ابن وضاح قال: سمعت أبا جعفر السبتي يقول: لم يكن النهي عن كسب الحجام للتحريم؛ وإنما كان على التنزيه، وكانت قريش تكره أن تأكل من كسب غلمانها من الحجامة.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس والربيع المؤذن، قالا: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس قال: "قد احتجم رسول الله -عليه السلام- فأعطى الحجام أجره".
وحدثنا الحسين بن الحكم الجبري، قال: ثنا عفان بن مسلم. ح
¬__________
(¬1) "المحلى" (8/ 193).

الصفحة 371