كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 16)
وهو من قرية على باب نَيسابور يقال لها: كُورْدَاباذ على طريق بُخارى.
كان عظيم الشَّأن [صحب المشايخ، وإليه ينتمي شاه بن شجاع الكِرْماني، وكان] أحد السادة الأئمة، من كبار مشايخ القوم، وله الكراماتُ المشهورة.
روى الخطيب عن الجنيد بن محمد: أن أبا حفص ذُكر عنده، فقال الجنيد: كان رجلًا من أهل الحقائق، ولو رأيتُه لاستغنيتُ به.
وكان يتكلَّم في غَور بعيد، ولقد قال له يومًا بعضُ أصحابه: كان مَن مضى لهم الآيات الظاهرة، فأيش لك؟ فأخذ بيده وأتى به إلى سودتى الحدَّادين إلى كُور عظيم محميٍّ، فيه حديدةٌ عظيمة، فأدخل يده فأخذها؛ فبَردت في يده.
[وقال الخطيب: ] دخل أبو حفص على مريض، فقال المريض: آه، فقال أبو حفص: ممَّن؟ فسكت، فقال: مع مَن، فقال المريض: كيف أقول؟ قال: لا يكنْ (¬1) أنينُك شكوى، ولا سكوتُك تجلُّدًا، وليكن بين ذلك.
[وحكى السُلميُّ عن] مَحْمِش الجَلّاب قال: صحبتُ أبا حفص اثنتين وعشرين سنة، [فما رأيتُه ذكر الله تعالى إلَّا على وجه الحضور والتَّعظيم والحُرمة]، وما رأيتُه يذكره على حدِّ الغَفلة والسَّهو والانبساط، وكان إذا ذكره تغيَّر حاله (¬2).
وكان يقول: ما أظنُّ محقِّقًا يذكر الله على غير غفلة، ثمَّ يبقى بعد ذلك حيًّا إلَّا الأنبياء؛ فإنَّهم أُيِّدوا بقوَّة النُّبوَّة.
وحكى ابن باكويه الشّيرازي، عن أبي عثمان النَّيسابوري قال: خرجنا (¬3) مع أبي حفص إلى ظاهر نيسابور، فتكلَّم علينا، فطابت قلوبنا، فبَصُرنا بأُيَّل (¬4) قد نزل من الجبل، فبرك بين يديه وأصغى إليه، فبكى أبو حفص بكاء شديدًا، فقلنا له: تكلَّمتَ علينا فطابت قلوبُنا، فلمَّا جاء هذا الوحشُ وبَرَك بين يديك أزعجك وأبكاك! فقال: نعم، رأيتُ اجتماعَكم حولي وطيبَ قلوبكم، فوقع في خاطري لو أنَّ شاةً ذبحتُها
¬__________
(¬1) في (ب): مع من قل: لا. فقال المريض: كيف أقول لا لا يكن ... وكلام الخطيب في تاريخه 14/ 134.
(¬2) "طبقات الصوفية" 116.
(¬3) في (خ) و (ف): وقال أبو عثمان النيسابوري خرجنا، والمثبت من (ب).
(¬4) هو نوع من الوعول مثل الثور الأهلي.