كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 16)

خرج [من عنده]، قال له ابنه عبد الله: يا أبتِ، أبو إبراهيم شابٌّ وتعمل به هذا [وتقوم له! ] فقال [له]: يا بُنيّ، لا تُعارضْني في مثل هذا، ألا أقوم إلى ابن عبد الرَّحمن بن عوف؟ !
ومولده في صفر سنة ثمانٍ وتسعين ومئة، وتوفِّي في المحرَّم (¬1) ببغداد، ودُفن بمقبرة باب التَّبّانين (¬2) [ببغداد] وقد بلغ خمسًا وسبعين سنة.
وله أخوان أكبر منه، عبد الله وعبيد الله.
[وحكى الخطيب عنه أيضًا حكاية عجيبة، قال أبو إبراهيم]: كنتُ (¬3) جائيًا من المَصِّيصة، فمَررْتُ بجبل اللُّكام، فأحبْبتُ أن أرى المتعبِّدين (¬4) هناك، فقصدتُهم، وجاءت صلاة الظُّهر وفيهم رجلٌ يعرفني، فقلت: دلُّوني على رجل، فقالوا: هو شيخ يصلِّي بنا، وإذا به قد أقبل فصلَّى بهم، فلمَّا فرغ قال له الرجل: هذا من ولد عبد الرَّحمن بن عوف، وجدُّه لأمِّه سعدُ بن معاذ، فبَشَّ بي، وسلَّم عليَّ كأنَّه قد كان يعرفني، فقلت له: من أين تأكل؟ فقال: أنت مُقيمٌ عندنا الليلة؟ [قلت: أما الليلة، فأنا عندكم.]
ثمَّ مضى بي إلى كَهْفٍ في الجبل، فأخرج منه قَعْبًا (¬5) قد مضت عليه الدُّهور (¬6)، يسع رَطْلًا ونصفًا، فلمَّا صلَّينا المغرب اجتمع حواليه الظِّباء، فاعتقل منها ظَبْية، فحلبَها حتَّى ملأ القَعْب، ثمَّ أرسلها، وشرب وسقاني وسقا القوم، وقال: ما هو غيرُ ما ترى، وربَّما أحتاج إلى الشَّيء، فتجتمع الظِّباء حولي، فآخذ حاجتي ثمَّ أُرسلها.
سمع الإمام أحمد [بن حنبل] رحمه الله، [وعلي بن -جعد- الجوهري، ومحمد بن سَلام الجُمحي] وغيرهم، وروى عنه عبد الله بن محمد البغوي، [ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو الحسين بن المنادي، وآخرون]، وكان صالحًا ثقة.
¬__________
(¬1) في (ب): وكانت وفاة أحمد في المحرم ...
(¬2) في (خ) و (ف): التبن، وفي (ب): البنين، وما بين معكوفين منها، والمثبت من "تاريخ بغداد"، و"المنتظم" 12/ 256، و "مختصر تاريخ دمشق".
(¬3) في (خ) و (ف): وقال له إبراهيم أحمد ... والمثبت من (ب) وكلام الخطيب في تاريخه 5/ 296 - 297، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(¬4) في (ب): من المصيصة وقد انتقل من بغداد إلى الثغر فمررت بجبل اللكام فأحببت أن أراهم يعني المتعبدين.
(¬5) القَعْب: القدح الضخم الغليظ، وقيل: القدح من خشب مقعَّر. "لسان العرب": (قعب).
(¬6) في (خ) و (ف): الشهور. والمثبت من (ب).

الصفحة 114