كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 16)
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} الحجر: 75، والمتفرِّس الذي ينظر بنور الله فيدرك المعاني "اتقوا فراسة المؤمن" (¬1). والرَّبَّاني أعلى مرتبةً من هؤلاء {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79] لله، أي: تخلَّقوا بأخلاقه، وافنَوا به عن خلقه.
وقال: إذا أراد الله أن يواليَ عبدًا فتح عليه باب ذِكره، فإذا استلذَّ الذِّكرَ فتح عليه باب القُرْب، ثمَّ رفعه إلى مجالس الأُنس، ثمَّ أجلسه على كرسي التوكُّل (¬2)، ورفع عنه الحجاب، وكشف له عن الجَلال، فبقي هو بلا هو، فيتبرَّأ حينئذٍ من دعاوى نفسه، ويبقى في حفظ الله تعالى خلقه.
وسئل: هل يصير العارف إلى حالٍ ينقطع عنه البكاء؟ فقال: نعم، إنَّما البكاء للقوم بمنزلة الزَّاد في حال سفرهم إلى الله تعالى، فماذا نزلوا منازلَ القُرب، وذاقوا طَعْمَ الوصال، استقرَّ بهم المنزل، فلا حاجةَ لهم إلى الزَّاد.
وقال: إذا خَرِسَت الألسنُ عن الأذكار، نَطقَتْ القلوبُ بالافتكار (¬3).
وقال: مُعاداةُ الفقراء بعضهم لبعض غيرةٌ من الله عليهم، لئلَّا يسكن بعضُهم إلى بعض.
وقال: علامة التَّوحيد خروجُ العبد عن كل شيء، وردُّ جميع الأشياء إلى متولِّيها (¬4).
ذكر وفاته:
[حكى في "المناقب" عن] رُوَيم قال: حضرتُ وفاةَ أبي سعيد، فسمعتُه يقول في آخر نَفَسه: [من الطويل]
حنينُ قلوب العارفين إلى الذِّكر ... وتَذكارهم وقتَ المُناجاةِ للسِّرِّ (¬5)
أُديرَتْ كؤوسٌ للمنايا عليهم ... فأغفَوا عن الدُّنيا كإغفاء ذي السُّكْرِ
همومهمُ جوَّالةٌ بمُعَسْكَرٍ ... به أهلُ ودِّ الله كالأنْجُمِ الزُّهْرِ
¬__________
(¬1) أخرجه الترمذي (3127) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -.
(¬2) في "الرسالة القشيرية" 405، والمناقب 1/ 423: على كرسي التوحيد.
(¬3) في المناقب 1/ 425: بالافتقار.
(¬4) في (ب) و (ف): منزلتها. وينظر المناقب 1/ 430، و"طبقات الشعراني" 1/ 79.
(¬5) في النسخ: للبشر. والمثبت من المناقب 1/ 423، و"الرسالة القشيرية" 463، و"تاريخ دمشق" 2/ 68.