كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 16)
وقال وصيف خادمُه: سمعتُه يقول عند موته: [من الطَّويل]
تمتَّع من الدُّنيا فإنَّك لا تبقى ... وخُذْ صَفْوها ما إنْ صَفَتْ ودَعِ الرَّنْقَا
ولا تأمَنَنَّ الدَّهرَ إنِّي أمِنتُه ... فلم يُبْقِ لي حالًا ولم يَرع لي حَقّا
قتلتُ صَناديدَ الرِّجال فلم أدَعْ ... عَدوًّا ولم أُمهِلْ على ظِنَّةٍ خَلْقا
وأخليتُ دور المُلْك من كلِّ بازِلٍ ... وشَتَّتهم غربًا ومزَّقْتُهم شَرْقًا
فلما بلغتُ النَّجمَ عِزًّا ورِفعةً ... ودانت رقابُ الخلقِ أجمع لي رِقَّا
رماني الرَّدى سَهْمًا فأخْمَد جَمْرتي ... فها أنا ذا في حُفرتي عاجلًا مُلْقى
فأفسَدْتُ دُنياي وديني سَفاهةً ... فمَنْ ذا الذي منِّي بمَصْرَعِه أَشْقى
فيا ليت شِعري بعد موتيَ ما أرى ... إلى نعمةٍ لله أم ناره ألقى
وكانت سنه يوم مات سبعًا وأربعين سنة، وقيل: خمسًا أو ستًّا وأربعين سنة وأشهرًا وأيامًا، وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وقيل: ويومين، وقيل: وخمسة أيام، وقيل: عشر سنين وتسعة أشهر.
ورثاه عبد الله بن المعتز (¬1) فقال: [من البسيط]
أستغفر الله هذا كلُّه قَدَرٌ ... رَضيتُ بالله ربًّا واحدًا صَمدا
يَا ساكنَ القبر في غَبْراءَ مُظلمةٍ ... بالطَّاهرية نائي الدَّارِ مُنْفَردا
أين الجيوشُ التي قد كنتَ تَصْحَبها ... أين الكنوزُ التي أحصيتَها عَددا
أين السَّرير الذي قد كنتَ تملؤه ... مَهابةً مَن رأتْه عينُه ارتَعدا
أين الأعادي الأُلَى ذلَّلْتَ صَعْبَهمُ ... أين اللُّيوثُ التي صيَّرتَها نَقَدا (¬2)
أين الوفودُ على الأبواب عاكفةً ... يَرجون فَضْلَكَ ما يأتي وما اطَّردا
أين الجيادُ التي حجَّلْتَها بدمٍ ... وكنَّ يَحمِلْنَ منك الضَّيغَمَ الأسدا
¬__________
(¬1) في (ف م 1): واختلفوا في سنه على أقوال؛ أحدها: سبعة وأربعون سنة، والثاني: خمس أو ست وأربعون سنة وأربعة أشهر وثلاثة عشر يومًا، حكاه الطبري وقال: كانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وكانت وفاته في ربيع الآخر من سنة تسع وثمانين ومئتين، وخلافته تسع سنين، وتسعة أشهر، ويومين، وقيل: وخمسة أيام، وقد ذكرنا ما خلف من المال وغيره عند بيعة المكتفي، وقال الصولي: ورثاه عبد الله بن المعتز. اهـ. وليس فيهما الأبيات الآتية، ولم نقف على كلام الطبري في تاريخه.
(¬2) النَّقَدُ: صغار الغنم. اللسان (نقد).