كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 16)
وقعتُ ها هنا، قلت: ألك أهل؟ فقال: نعم، والدان وإخوة وأخوات، قلت: فهل خطروا في سرِّك؟ قال: لا إلَّا اليوم، لمَّا أيقنتُ بالموت أحببتُ أن أشمَّهم، ولي أختٌ صالحة أحب أن أشمَّها، وهذه الرَّياحين التي حولي جاء بها إليَّ الوحوشُ وبكوا عندي.
قال إبراهيم: فتحيَّرت في أمره (¬1)، ووقع الشابُّ على سرِّي، وإذا بحيَّةٍ عظيمة قد أقبلت، وفي فيها طاقةُ نَرْجِس دورها ثلاثة أذرع، فنطقت الحيَّة وقالت: يَا إبراهيم، اعدِلْ بسرِّك عن الشابّ فإنَّ الحقَّ غَيور، فصحت صيحة [عظيمة] وغُشي عليَّ، فما أفقتُ إلَّا والشابُّ قد قضى، قلت: كيف أعمل؟ [مالي] مَن يساعدني عليه، وأين الماء [وأين] الكَفَن؟ فأُلقي عليَّ النُّعاس، فما أفَقْتُ إلَّا بحرِّ الشَّمس، وإذا بي على الجادَّة.
فلمَّا قضيتُ الحجَّ ورجعت قلت: لا بدَّ من المضيِّ إلى شِمْشاط، والسؤالِ عن الشابِّ وأهلِه، [قال: ] فمضيتُ إليها، فلمَّا بلغتُ إلى المصلَّى إذا بنسوة عليهنَّ المرقَّعات قد أقْبَلْنَ، وبينهنَّ امرأةٌ أشبهُ النَّاس بالشابِّ، فنادتني: يَا أَبا إسحاق، أنا في انتظارك منذ أيام، حدِّثني حديثَ أخي وقُرَّةِ عيني وثمرةِ فؤادي، فحدَّثتُها حديثَه، فلمَّا بلغتُ إلى قوله: أريد أن أشَمَّهم، قالت: هاه، بلغ الشمّ الشمّ، ثمَّ وقعت ميتة، فقلن النِّساءُ: جزاك الله عنها خيرًا، فلقد أرَحْتَها ممَّا كانت فيه، وكان هناك رِباط فيه نساء، فخَرَجْنَ فوَلين أمرَها, ولم يبق في البلد أحدٌ إلَّا شهد جنازتها (¬2)، ثمَّ أقمتُ عند قبرها شهرًا وانصرفت.
[حديث إبراهيم مع الحيَّات:
حكى ابن باكويه عن] حامد الأسود قال: خرجتُ (¬3) مع إبراهيم في سفر، فجئنا إلى موضع فيه حيَّات كثيرة، فجلسنا، فلمَّا بَرَد الهواء في الليل خرجت الحيَّات، فخفت [منها]، فقال [لي] إبراهيم: لا تَخَف واذكر الله، فذكرتُ، فذهبت الحيَّات، ثمَّ عادت
¬__________
(¬1) في (ف م 1): أمري.
(¬2) في (خ): شهدها، والمثبت من (ف) و (م 1).
(¬3) في (خ): وقال حامد الأسود: خرجت، والمثبت من (ف م 1). وهذا الخبر ذكره القشيري في رسالته 3/ 164 - 165.