كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 16)

[وفيها توفي]

محمد بن داود
ابن عليِّ بن خَلَفٍ، أبو بكر، الأصبهانيُّ، الظاهريُّ، صاحبُ كتاب "الزَّهْرة".
كان [على مذهب أبيه داود]، فصيحًا، عالمًا، أديبًا، فقيهًا، شاعرًا، ذا فنون، وكان يُلَقَّب بعصفور الشَّوْك؛ لنحافته وصُفْرة لونه.
قال [الخطيب (¬1) بإسناده عن] رُوَيم بن محمد [قال: ] كنَّا عند داود بن علي [الأصبهاني]، إذ دخل عليه محمد ابنُه وهو يبكي، فضمَّه إليه وقال: ما يُبكيك؟ قال: الصبيانُ يلقِّبوني بعصفور الشَّوك، فضحك داود، فقال له ابنُه: أنت أشدُّ عليَّ من الصِّبيان، فقال داود: لا إله إلَّا الله، ما الألقاب إلَّا من السماء، ما أنت إلَّا عصفورُ الشوك.
[وروى الخطيب أيضًا بإسناده عن] أبي الحسن الداودي [قال: ] لَمَّا جلس (¬2) محمد بن داود بعد وفاة أبيه في حلقته استصغروه عن ذلك، فدسُّوا إليه رجلًا وقالوا: سَلْه عن حدِّ السُّكْر ما هو، فسأله الرجل وقال: متى يكون الإنسان سَكرانًا؟ فقال محمد على البديه: إذا عَزَبتْ عنه الهمومُ، وباح بسرِّه المَكْتوم، [وفي رواية: حدُّ السُّكْر أن ترتفع الهموم ويُباح بالمكتوم] فاستحسَنُوا ذلك منه، وعلموا موضعَه من العلم.
وقال محمد: ما انْفَكَكْتُ من هوًى قطُّ منذ دخلتُ الكُتَّاب، وبدأتُ بعمل كتاب "الزَّهْرة" وأنا في الكُتَّاب، ونظر أبي في أكثره.
ودخل محمد يومًا على ثعلب النَّحْويّ، فقال له ثعلب: اذكر لي شيئًا من صَبْوَتك، فقال: [من الطويل]
سقى اللهُ أيَّامًا لنا ولياليًا ... لهنَّ بأكنافِ الشبابِ مَلاعِبُ
إذ العيشُ غَضٌّ والزَّمانُ بغرَّةٍ ... وشاهدُ أوقات (¬3) المحبِّين غائبُ
فبكى ثعلب.
¬__________
(¬1) في تاريخه 3/ 158 - 159. وما بين معكوفين من (ف) و (م 1).
(¬2) في (خ): وقال أبو الحسن الداودي لما جلس، والمثبت وما بين معكوفين من (ف) و (م 1). وكلام الخطيب في تاريخه 3/ 159.
(¬3) في تاريخ بغداد 3/ 160، والمنتظم 13/ 99: آفات.

الصفحة 371