كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 16)

فانظر فهل حالٌ بي انتقلَتْ ... عمَّا تحبُّ لحالةٍ أُخرى
فعوقبَ على ذلك بقطر البول (¬1)، فرأى في منامه كأنَّه يشكو حاله إلى بعض الصّالحين، فقال له: عليك بدعاء الكتاتيب، فكان يطوفُ على الكتاتيب وبيدِه قارورةٌ يَقطرُ فيها بولُه، ويقول للصبيان: ادعوا لعمِّكُم الكذاب المُبْتَلى بلسانه (¬2).
[وحكى أبو نعيم عن أبي بكر الواسطي قال: ] (¬3) قال سَمنون: يا رب قد رضيتُ بكلِّ ما تقضيه عليَّ، فاحتبس بولُه أربعة عشر (¬4) يومًا، فكان يتلوَّى كما تتلوَّى الحيَّةُ على الرمل يمينًا وشمالًا، فلمَّا أُطلقَ بولُه قال: يا ربّ، تُبتُ إليك.
وهذا إنَّما هو استعمالُ الرِّضا والتسليم لله تعالى، وتلقِّي ما يَرِدُ من قضائه وقَدره على وفق ما وقع، لا أنَّه يقاوي.
وقال النُّوري: سألتُ سَمنونًا عن المحبة، فقال: عن أبيِّ شيءٍ تسأل؛ عن محبة الله إيَّاك، أو عن محبتك الله؟ فقلت: بل عن محبة الله لي، فقال: لا تطيقُ الملائكة سماع ذلك، فكيف أنت؟ ! لقد تكلَّمت أمس مع الخضر والملائكةُ يسمعون قولي، ويستحسنون قولي وكلامي، والحقُّ حاضر، فلم يعب عليَّ، ولو عاب عليَّ لأخرسني (¬5).
قال المصنف رحمه الله: أمَّا قوله عن الخضر، فقد قدَّمنا الكلام في حياته، وأمَّا سماعُ الملائكة قولَه، فلقوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] وأما استحسانُهم كلامَه، فإنَّ الكلام الحسن تستحسنه الملائكة وغيرها في الغالب، وأمَّا قوله: والحقُّ سبحانَه وتعالى حاضر، فلقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله: {هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا} (¬6) [المجادلة: 7]، أي بالعلم، ومعنى قوله: لو عاب علي لأخْرَسَني: إنَّني أقمتُ الأدلَّة من كتاب الله وسنَّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، ومن أصول الشريعة وكلام القوم، وتقديره: فكيف يخرسني وأنا أقول الحق (¬7)؟ !
¬__________
(¬1) من قوله: وقال علي بن محمد .... إلى هنا ليس في (ف) و (م 1)، وفيهما: وروي أنه رأى في منامه كأنه ....
(¬2) بعدها في (ف) و (م 1): لقوله: وليس لي في سواك حظ.
(¬3) ما بين حاصرتين من (ف) و (م 1). وفي (خ): وقال أبو بكر الواسطي.
(¬4) في (خ): أربعة وعشرين. والمثبت من (ف) و (م 1) وحلية الأولياء 10/ 310.
(¬5) مناقب الأبرار 1/ 389.
(¬6) في (خ): {وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]. والمثبت هو الصواب.
(¬7) من قوله: وهذا إنما هو استعمال الرضا ... إلى هنا ليس في (ف) و (م 1).

الصفحة 390