كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 16)

[قال أبو جعفر الطَّحاوي: ] ولد [أبو بكرة بكَّار] بالبصرة سنةَ اثنتين وثمانين ومئة، وكان عالمًا، فاضلًا، زاهدًا، ورِعًا، عفيفًا عن أموال الناس، حَنفيّ المذهب [يحكم على مذهب أبي حنيفة، وذكره أبو الحسن بن إبراهيم بن زُولاق المصريُّ في كتاب "القضاة" وذكر طرفًا من سيرته، فقال: ] ولَّاه المتوكِّل القضاءَ على مصر، فقَدِمها يوم الجمعة لثمانٍ خلون من جمادى الآخرة (¬1) سنة ستٍّ وأربعين ومئتين، فلقي محمَّد بن أبي اللَّيث (¬2) قاضي مصر قبله عند الجِفَار خارجًا إلى بغداد مصروفًا، فقال له بكَّار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفتَ النَّاس، فدُلَّني على مَن أشاوره في أموري وأسكن إليه، فقال: عليك برجلين؛ أحدهما عاقل، والآخر زاهد، أمَّا العاقل فيونسُ بن عبد الأعلى، فإنِّي سعَيتُ في سفك دمه، فقدر عليَّ فحَقَن دمي، وأمَّا الزَّاهد فأبو هارون موسى بن عبد الرَّحمن بن القاسم، فقال: صِفْ لي حِلْيَتَهما، فوصفهما له.
فلمَّا دخل مصر جاءه الرجلان فاختصَّ بهما، وكان يشاورهما في أموره، فقال يومًا لموسى: يا أبا هارون، من أين المعيشة؟ قال: مِنْ وقفٍ وَقَفه أبي أتكفَّى به، ثمَّ قال له موسى: يا أبا بَكْرة، قد سألتني وأُريد أن أسألك، قال: سَلْ، قال: هل رَكِبَك دينٌ بالبصرة؟ قال: لا، قال: فهل لك ولدٌ أو زوجة؟ قال: لا، ما نكحتُ قطُّ، قال: أفَلَك عِيال؟ قال: ما عندي سوى غلامي، قال: أَفَأكرَهكَ السُّلطان على القضاء وعرضَ عليكَ العذاب؟ قال: لا، قال: أَفضَربتَ آباطَ الإبل من البصرة إلى مصرَ لغير حاجةٍ ولا ضرورةٍ إلَّا لتليَ دماء المسلمين وأموالهم وفروجَ نسائهم! لله عليَّ لا عُدْتُ إليك بعد اليوم، ولا كلَّمتُك أبدًا، ثمَّ انصرف عنه ولم يَعُد إليه.
[قال ابن زُولاق: ] وكان النَّصارى يتولَّون أَمْرَ المقياسِ (¬3) بمصر، فكتب بكَّار إلى المتوكِّل بأنَّ هذا أمرٌ عظيم من إنعام الله تعالى، فلا ينبغي أن يتولَّاه إلَّا مَن يُوحِّد الله تعالى، فكتب إليه: افعل: فولَّاه عبدَ الله بن عبد السَّلام ويُكنى أبا الرَّدَّاد (¬4) -وكان
¬__________
(¬1) في (خ) و (ف): الأولى، والمثبت من (ب)، وهو الموافق لما في "تاريخ الإسلام" 6/ 303.
(¬2) في "وفيات الأعيان" 7/ 250: محمد بن الليث، وانظر المقفى 2/ 454.
(¬3) يعني: مقياس زيادة النيل ونقصانه. ينظر مروج الذهب 2/ 365 وما بعدها.
(¬4) وجاء في هامش (خ): وتوليه لأبي الردَّاد في زمن القاضي بكار في سنة سبعين ومئتين في السنة التي مات فيها أحمد بن طولون.

الصفحة 83