كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 16)

أخبَرنا عبدُ الوارث (¬١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ قُتيبة (¬٢)، قال: حدَّثنا أبو حاتم، عن الأصمعيِّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سَلْم بنِ قُتيبة، عن أبيه: أنَّه كان يَعجَبُ ممن يُصدِّقُ بالطِّيَرَةِ ويَعيبُه أشدَّ العيب، وقال: فرَقَتْ لنا ناقةٌ وأنا بالطَّفِّ (¬٣)، فركِبتُ في إثرِها، فلقِيَني هانئُ بنُ عُتبةَ من بني وائل، وهو يركُضُ ويقول:
والشرُّ يَلْقى مُطالِعَ الأكَم
ثم لَقِيَني رجلٌ آخرُ من الحيِّ وهو يقول:
ولئن بعَثتُ (¬٤) لهم بُغا ... ةً ما البُغاةُ بواجِدِينا
من شعرِ لَبيد (¬٥). ثم دُفِعتُ إلى غلام قد وقَع في ضَفِيرةٍ من نارٍ فقبُح وجهُه وفسَد، فقلتُ له: هل سمِعتَ بناقةٍ فُروق؟ قال: ها هنا أهلُ بيتٍ من الأعرابِ فانظُر. فوجَدناها قد نُتِجتْ ومعها ولدُها.
قال صاحب "العين" (¬٦): فرَقَتِ الناقةُ تفرُقُ فُرُوقًا: إذا ذهَبت في الأرضِ بوَجَع ولادتِها، فهي فارقٌ.
وأما قوله: "ولا هامَةَ" فاختُلِف فيه؛ فقيل: كانت العربُ تقول: إنَّ الرجلَ إذا قُتِل خَرَج من رأسِه طائرٌ يزْقُو (¬٧)، فلا يسكُتُ حتى يُقتَلَ قاتلُه. قال الشاعر:
---------------
(¬١) هو عبد الوارث بن سفيان بن جبرون القرطبي، وشيخه قاسم: هو ابن أصبغ البيانيّ، وشيخه.
(¬٢) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قُتيبة الدِّينوريِّ، في كتابيه: تأويل مختلف الحديث، ص ١٧٢، وعيون الأخبار ١/ ٢٣٢. أبو حاتم: هو الرازي، والأصمعي: هو عبد الملك بن قريب.
(¬٣) الطف: أرضٌ من ضاحية الكوفة في طريق البريّة، فيها كان مقتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما. معجم البلدان لياقوت الحموي ٤/ ١٣٦، وهي المعروفة اليوم بكربلاء.
(¬٤) في الأصل: "بغت"، وهو تحريف.
(¬٥) وهو ابن ربيعة العامري، ديوانه، ص ١٣٣.
(¬٦) ٥/ ١٤٨، وفيه قوله: "والناقةُ إذا مخَضَتْ تفرُق فُروقًا: نِفارها وذهابها نادَّةً من الوجَع فهي فارِقٌ".
(¬٧) يعني: يصيحُ. ينظر: الصحاح (زقا).

الصفحة 100