كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 16)
فإن تكُ هامةٌ بهراةَ تَزْقُو ... فقد أزْقَيْتُ بالمرْوينِ هاما (¬١)
يعني: مَرْوَ الرُّوذ، ومروَ الشاهِجان، ذكَر ذلك أبو عبدِ الله العَدَويُّ.
وقال أبو عُبيد (¬٢): أما الهامةُ، فإن العربَ كانت تقول: إن عظامَ الموتَى (¬٣) تصيرُ هامةً فتطيرُ. وقال أبو عَمْرو (¬٤) مثلَ ذلك، وكانوا يُسمُّون ذلك الطائرَ الصَّدَى، يعني الذي يخرُجُ من هامةِ الميتِ إذا بَلِيَ (¬٥). قال أبو عُبيد: وهذا في أشعارِ العربِ كثيرٌ، قال أبو دُوَادٍ الإياديُّ:
سُلِّط الموتُ والمنونُ عليهم ... فلَهُم في صَدَى المقابرِ هامُ (¬٦)
فذكَر الصدَى والهامَ جميعًا. وقال لَبيدٌ (¬٧) يَرثي أخاه أربد:
فليس الناسُ بعدَك في نفيرٍ ... وما هم غيرُ أصداءٍ وَهَامٍ
وقال آخرون: كان أهلُ الجاهليةِ يقولون: إذا مات الرجلُ خرَجت من رأسِه هامةٌ، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لا هامَةَ"؛ أي: لا يخرُجُ من رأسِه هامةٌ. وكانوا أيضًا يقولون: إنّ هامتَه صَدِيَت من حُبِّ الشراب؛ فنُهوا عن ذلك كلِّه.
---------------
(¬١) البيت في الحيوان للجاحظ ٢/ ٤٨، وفي المخصّص لابن سيده ٢/ ٣٤٥ معزوًّا لعبد الله بن خازم.
وهو في تهذيب اللغة للأزهري ٦/ ٢٤٨، وجمهرة اللغة لابن دريد ٢/ ٨٢٣، وفي لسان العرب، وتاج العروس مادة (زفق) دون نسبةٍ لقائل معيّن.
(¬٢) في غريب الحديث له ١/ ٢٦ - ٢٧.
(¬٣) في الأصل: "الميت"، والمثبت من ي ٢، وهو الموافق لما نقله الأزهري في تهذيب اللغة ٦/ ٢٤٧ والخطابي في معالم السنن ٤/ ٢٣٣ عن أبي عُبيد.
(¬٤) يعني أبا عمرو بن العلاء بن عمار، اللغويّ المشهور، وهذا نقله عنه الأزهريُّ في تهذيب اللغة ٦/ ٢٤٧، قال بعد أن نقل عن أبي عُبيد: "وقال أبو عمرو مثله".
(¬٥) هذا تتمّة كلام أبي عُبيد كما في غريب الحديث وتهذيب اللغة، وليست من كلام المصنِّف كما يظهر من سياق الكلام.
(¬٦) وتنظر الأصمعيات، رقم (٦٥).
(¬٧) ديوانه، ص ١٢٥.