كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 16)

ورواهُ ابنُ وَهْب، عن عبدِ الله بنِ السَّمْح؛ أنه أخبَرهُ عن عبّادِ بنِ كثير (¬١)، عن عطاء بن السّائب (¬٢)، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبّاس، قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ أُحد: "انزِعُوا عنهمُ الحديدَ، وادْفِنُوهُم في ثيابهم".
واختلفَ الفقهاءُ في غُسل الشُّهداءِ والصلاةِ عليهم: فذهبَ مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، والثوريُّ، والليثُ بنُ سَعْد (¬٣): إلى أنّهم لا يُغسّلُون، وحُجّتُهم: حديثُ جابرٍ وسائرُ ما ذكَرْنا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَ الأحاديثِ في هذا الباب، وبذلك قال أحمدُ بنُ حنبل (¬٤)، والأوزاعيُّ، وإسحاقُ، وداودُ، وجماعةُ فقهاءِ الأمصار، وأهلُ الحديثِ، وابنُ عُليّة.
وقال سعيدُ بنُ المسيِّب، والحسنُ البصريُّ (¬٥): يُغسَّلُ الشُّهداءُ، قال أحدُهما: إنّما لم يُغسّلْ شُهداءُ أُحدٍ لكَثْرَتِهم وللشُّغْل عن ذلك، ولم يقُلْ بقَوْلِ سعيدٍ والحسَنِ هذا أحدٌ من فُقهاءِ الأمصارِ إلا عُبيدُ الله بنُ الحسنَ العَنْبريُّ البَصْريُّ (¬٦).
---------------
(¬١) هو الثقفيُّ البصري، متروكٌ، وكذّبه أحمد بن حنبل كما في التقريب (٣١٣٩).
(¬٢) في م والمطبوعات عنها: "عمر بن الخطاب"، وهو تحريف قبيح، ولم يسأل (محققو) هذا الكتاب أنفسهم كيف يروي عمر بن الخطاب عن سعيد بن جبير، والمثبت من الأصل.
(¬٣) ينظر: المدوّنة ١/ ٢٥٩، والأمّ ١/ ٣٠٤، والأصل المعروف بالمبسوط لمحمد بن الحسن الشيباني ١/ ٤٠٦، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء لأبي بكر الشاشيّ القفّال ٢/ ٣٠٢.
(¬٤) ينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية لإسحاق بن منصور الكوسج ٧/ ٣٦٢٨ (٢٦٤٦).
(¬٥) رواه عبد الرزاق في المصنَّف ٣/ ٥٤٥ (٦٦٥٠) و ٥/ ٢٧٥ (٩٥٩٦)، وابن أبي شيبة في المصنَّف (٣٣٤٩١) من طريقين عن قتادة بن دعامة عنهما، قالا: "الشهيد يُغسَّل، ما مات ميِّتٌ إلّا أجْنَبَ".
وحكاه عنهما ابن المنذر في الأوسط ٥/ ٣٧٠، والطحاويُّ في مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٧٩، وابن رشد في بداية المجتهد ١/ ٢٣٩، وابن حجر في فتح الباري ٣/ ٢١٢، وقال: "وحُكِيَ عن ابن سُريج من الشافعيّة وعن غيره، وهو من الشُّذوذ".
(¬٦) ينظر: بداية المجتهد لابن رشد ١/ ٢٤٠.

الصفحة 159