كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 16)

وللشافعيِّ في ذلك قولان، أحدُهما: يُغسَّلُ جميعُ الموتى إلّا من قتلَهُ أهلُ الحرب (¬١)، والآخَرُ: لا يُغسَّل قتِيلُ البُغاة (¬٢).
وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ في هذا الباب كلِّه كقولِ مالكٍ سواءٌ (¬٣).
وروَى شُعبةُ، والثّوريُّ، ومِسْعَرٌ -بمعنًى واحد- عن قيسِ بنِ مُسلم، عن طارقِ بنِ شهاب؛ أنَّ سَعْدَ بنَ عُبيدٍ القارئ -وهو أبو زيد- قال يومُ القادسية: إنّي مُستَشْهِدٌ غدًا، فلا تَغْسِلُوا عنّي دمًا، ولا تنْزِعُوا عنّي ثوبًا (¬٤).
وسُئلَ مكحولٌ عن الشّهيد: أيُصَلّى عليه؟ قال: نعم، ويُنزَعُ عنه كلُّ خُفٍّ ومنْطَقَة (¬٥) وخاتَم وجِلْدٍ إلّا الفَرْوَ، فإنّه من ثيابِه، ولا يُنزَعُ عنه شيءٌ من ثيابه؛ ولا يُزادُ عليه ثوبٌ إلّا أن تُضَمَّ عليه ثيابُه بثوبٍ يلُفُّونَه به؛ قال مكْحول: فإن لم يُقتَلْ قعْصًا (¬٦) ولم يُجْهَزْ عليه، وباتَ وطعِمَ ثم مات، نُزِعَتْ عنه ثيابُه وطُهِّرَ.
وهو قولُ فقهاء الشام: الأوزاعيِّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيز، وجماعَتِهم.
قال أبو عُمر: غُسْلُ الموتى قد ثبتَ بالإجماع، ونقْلِ الكافّة، فواجبٌ غُسْلُ كلِّ ميّتٍ إلّا مَنْ أخرجَه إجماعٌ أو سُنّةٌ ثابتةٌ، وهذا قولُ مالك، واللهُ الموفِّق للصّواب.
---------------
(¬١) الأُمّ ١/ ٣٠٦.
(¬٢) الأمّ ٤/ ٢٣٥، وينظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي ١/ ١٨٠.
(¬٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله، ص ١٣٥ (٥٠٠)، ومسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية ٨/ ٣٩٠٥ (٢٧٨٥).
(¬٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه ٢/ ٢٦٢ (٢٥٧٥) عن سفيان الثوري.
وأخرجه عن أبي وكيع الجراح بن مليح الرؤاسيّ عن قيس بن مسلم الجَدَلي، به.
وهو عند عبد الرزاق في المصنَّف ٣/ ٥٤٣ (٦٦٤٢)، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ٤٥٨، وابن أبي شيبة في المصنَّف (١١١٠٦) و (٣٣٤٨١) من طريق سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم الجَدَليّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعد بن عُبيد القارئ، به.
(¬٥) المنطقة: ما يُشدُّ به الوسط من إزارٍ ونحوه. ينظر: الصحاح مادة (نطق).
(¬٦) قوله: "قعْصًا" القَعْصُ: الموت المعجَّل أو السريع، يقال: مات فلانٌ قعْصًا: إذا أصابتْهُ ضربةٌ أو رميةٌ فمات مكانه. ينظر: اللسان مادة (قعص).

الصفحة 164