كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 16)
وإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا صلّى جالسًا فصلُّوا جُلوسًا" فعرفْنا أفعالَه التي يُؤتمُّ به فيها، وهي الظاهرةُ إلينا من رُكُوعِه وسُجودِه وتكْبيرِه وقيامِه وقُعودِه، ففي هذه أُمِرْنا أن لا نختلفَ عليه.قالوا: والدّليلُ على صِحّةِ هذا التأويل: حديثُ جابرٍ في قصّة مُعاذٍ إذ كان يُصلّي مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- العشاءَ، ثم ينْصرِفُ فيؤمُّ قومَه في تلك الصلاة، هي له نافلةٌ ولهم فريضةٌ، وهو حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ لا يُختلَفُ في صِحّتِه (¬١).
قالوا: ولا يَصِحُّ أن يَجْعلَ معاذٌ صلاتَه معَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- نافلةً ويزهَدَ في فَضْلِ الفَرِيضةِ معَه -صلى الله عليه وسلم- ويدلُّكَ على ذلك قولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أُقِيمَتِ الصّلاةُ فلا صلاةَ إلّا المكتوبةُ" (¬٢) وهذا مانعٌ لكلِّ أحدٍ أن تُقامَ صلاةُ فريضةٍ لم يُصلِّها فيَشتَغِلَ بنافلةٍ عنها.
وقد روَى ابنُ جُرَيج، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن جابر؛ أنَّ مُعاذًا كان يُصلِّي مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- العِشاءَ الآخِرَة ثمّ ينْصرِفُ إلى قومِه فيُصلِّي معَهم، هي له تطوُّعٌ ولهم فريضة (¬٣).
---------------
(¬١) سلف تخريجه في التعليق قبل السابق.
(¬٢) سلف تخريجه من وجوه عديدة عن أبي هريرة رضي الله عنه في أثناء شرح الحديث الثاني لشريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(¬٣) أخرجه الشافعيُّ في الأمّ ١/ ٢٠٠، وعبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٨ (٢٢٦٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (٣٨٨)، وفي شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٩ (٢٣٦٠)، والدارقطني في سننه ٢/ ١٣ (١٠٧٥)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ٨٦ (٥٣٠٨)، ورجال إسناده ثقات، وقد صرّح ابن جُريج -وهو عبد الملك بن عبد العزيز- بسماعه من عمرو بن دينار عند عبد الرزاق، فانتفت شبهة تدليسه.
وهو عند أحمد في المسند ٢٢/ ٢٠٩ - ٢١٠ (١٤٣٠٧)، والبخاري (٦١٠٦)، ومسلم (٤٦٥) (١٧٨ - ١٨١) من طرق عن عمرو بن دينار، به.